أهلية المرأة للتصدي للمرجعية والقضاء ورئاسة الدولة دراسة استدلالية في ضوء الفقه الإسلامي المعاصر

اجنادين نيوز / ANN
بقلم الباحث الأكاديمي: أسعد الجوراني
شهد الفقه الإسلامي المعاصر حراكاً فكرياً واسعاً في إعادة دراسة قضايا المرأة، في ضوء تباين المناهج الأصولية وآليات الاستنباط التي يعتمدها الفقهاء في فهم النصوص الشرعية. ومن أبرز المسائل التي ما تزال محل نقاش واجتهاد مسألة أهلية المرأة لتولي المناصب الدينية والعامة، ولا سيما المرجعية الفقهية، والقضاء، ورئاسة الدولة.
وتبرز في هذه القضية مفارقة فقهية لافتة؛ إذ يكاد الفقهاء يتفقون على إمكان بلوغ المرأة مرتبة الاجتهاد المطلق، بما تمتلكه من أهلية علمية لاستنباط الأحكام الشرعية، إلا أن هذا الاتفاق لا ينعكس ـ في المشهور ـ على الإقرار بأهليتها للمرجعية العامة والتقليد، فضلاً عن القضاء والولاية العامة. ومن هنا تنشأ إشكالية البحث هل يرجع هذا المنع إلى نصوص شرعية قطعية، أم إلى تداخل مفاهيمي وتراكمات فقهية وتاريخية أسهمت في توسيع دائرة المنع؟
يسعى هذا البحث إلى معالجة هذه الإشكالية معالجةً استدلالية، من خلال تحليل الأدلة، ومناقشة المباني الأصولية، والتمييز بين طبيعة الإفتاء والولاية، وصولاً إلى تقييم هذه المسائل في ضوء الاجتهاد الفقهي المعاصر.
المحور الأول
إفتاء المرأة ومرجعيتها الفقهية (دراسة استدلالية)
أولاً: أدلة القول بعدم اشتراط الذكورة في مرجع التقليد
يمكن تأسيس القول بجواز مرجعية المرأة وتقليدها على ثلاثة مسالك استدلالية رئيسة :
الدليل الأول: الأهلية التكوينية وحجية القطع
إن بلوغ المرأة مرتبة الاجتهاد المطلق أمر ممكن عقلاً وواقعاً، وقد شهد التاريخ الإسلامي بنساء بلغن مراتب عالية في العلم والفقه. فإذا استنبطت المرأة الحكم الشرعي حصل لها القطع أو الاطمئنان المعتبر، والقطع حجة ذاتية لا يمكن رفع حجيته تعبداً، وهو من المباني الأصولية المستقرة.وعليه، تمتنع عليها شرعاً وعقلاً متابعة مجتهد آخر يخالف ما انتهت إليه، لأنها خرجت عن موضوع رجوع الجاهل إلى العالم، وأصبحت بنفسها من أهل الخبرة والاجتهاد
الدليل الثاني: عمومات الأدلة وإطلاقاتها
يقوم هذا الدليل على ركيزتين:
أولاً: الإطلاقات اللفظية
استدل أصحاب هذا الاتجاه بعموم قوله تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى:
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ…﴾.
فقد علقت الآيات الرجوع على عنوان العلم والفقاهة،
ولم تقيده بخصوص الذكورة.
ثانياً: السيرة العقلائية
استقرت سيرة العقلاء في جميع العلوم على رجوع غير المختص إلى المختص دون التفات إلى جنس الخبير، ولم يثبت صدور ردع خاص من الشارع عن هذه السيرة في باب الإفتاء، فتكون ممضاة شرعاً.
الدليل الثالث: الاستدلال بالسكوت التقريري
ذهب بعض الباحثين إلى الاستدلال بسكوت أئمة أهل البيت (ع) عن تصدي السيدة عائشة للإفتاء، مع اشتهار جواز إفتاء المرأة في الفقه السني، باعتبار أن الفقه الإمامي كان يتحرك ـ بحسب بعض المباني ـ بوصفه مصححاً أو ناقداً للفقه السائد
إلا أن هذا الاستدلال يواجه مناقشتين:
الأولى: أن مسألة المرجعية العامة للمرأة لم تكن مطروحة بصورتها الحالية في القرون الأولى حتى ينعقد ظهور للسكوت
الثانية: أن الردع قد يتحقق عبر تراكم النصوص والارتكازات المتشرعية، لا بمجرد وجود نص مانع صريح، وهو ما يجعل السكوت غير كافٍ لإثبات المشروعية.
وبعد استعراض هذه الأدلة يتبين أن محل النزاع لا يدور حول قدرة المرأة على الاجتهاد، وإنما حول طبيعة المرجعية وحدودها، وهل هي وظيفة علمية خالصة أم ولاية دينية ذات امتدادات تنفيذية.
ثانياً: تفكيك الاندماج التاريخي بين الإفتاء والولاية
يبدو أن أبرز أسباب الإشكال هو اندماج مفهوم الإفتاء عبر التاريخ بمفهوم الولاية العامة، حتى أصبحت المرجعية الفقهية تمثل مؤسسة تمارس الإفتاء والقضاء والإدارة والولاية المالية والاجتماعية في آن واحد.
غير أن الإفتاء في حقيقته ليس ولاية ولا سلطة تنفيذية، وإنما هو إخبار عن الحكم الشرعي، شأنه شأن رجوع المريض إلى الطبيب أو الطالب إلى الخبير في تخصصه.
وعلى هذا الأساس، ذهب عدد من الأعلام، ومنهم المحقق الإصفهاني، إلى ضرورة الفصل بين البحث في أهلية المرأة للإفتاء والبحث في أهليتها لسائر الولايات الشرعية، لأن لكل واحد منهما دليله الخاص.
المحور الثاني
تصدي المرأة لمنصب القضاء
لم يرد في القرآن الكريم نص صريح يمنع المرأة من القضاء، ولذلك وقع الخلاف بين الفقهاء، وإن اشترط جمهورهم الذكورة اعتماداً على مجموعة من الأدلة.
أولاً: الأدلة الروائية
استند الجمهور إلى عدة روايات، من أبرزها:
حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وألحقوا القضاء بالولاية العامة.
رواية حماد بن عمرو المتضمنة النهي عن تولي المرأة القضاء.
رواية جابر عن الإمام الباقر (ع): «ولا تولى المرأة القضاء ولا الإمارة».
ثانياً: الاستدلال بالقرائن القرآنية
استدل بعض الفقهاء بآية القوامة، معتبرين أن ثبوت القوامة في الأسرة يقتضي ـ بالأولوية ـ ثبوتها في القضاء.
كما استدلوا بآية الشهادة، ورأوا أن اختلاف نظام الشهادة بين الرجل والمرأة ينعكس على منصب القضاء.
مراجعة نقدية معاصرة
يقتضي التحقيق الفقهي المعاصر الفصل بين القضاء القديم والقضاء الحديث.
فالقضاء في الدولة الحديثة لم يعد عملاً فردياً قائماً على الاجتهاد الشخصي، بل أصبح مؤسسة قانونية تخضع لدرجات متعددة من الرقابة والاستئناف والتمييز، وتعتمد على هيئات قضائية وإجراءات قانونية متسلسلة، الأمر الذي يضعف كثيراً من المبررات التي استند إليها الفقه التقليدي في اشتراط الذكورة.
ومن ثم فإن الخلاف لم يعد متعلقاً بالأهلية العلمية أو القانونية، وإنما بمدى استمرار موضوع الأدلة بعد تغير طبيعة النظام القضائي.
المحور الثالث
التكييف الفقهي لمنصب رئاسة الدولة والولايات العامة
اتفق جمهور الفقهاء على منع المرأة من تولي الولاية الكبرى، مستندين إلى حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وإلى الارتكاز الفقهي المتوارث الذي لم يعرف تولي امرأة قيادة الدولة الإسلامية.
القراءة الفقهية المعاصرة
يرى عدد من الفقهاء المعاصرين أن كثيراً من أدلة المنع ليست قطعية الدلالة، وأنها تأثرت بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي تشكلت فيه.
ويؤكد هؤلاء ضرورة التمييز بين الفتوى بوصفها إخباراً عن الحكم الشرعي، وبين القضاء والولاية بوصفهما سلطتين تنفيذيتين، لكل منهما أدلته وشروطه.
كما يرون أن جانباً من المنع ارتبط بالقوالب الاجتماعية التي كانت تنظر إلى خروج المرأة للقيادة على أنه منافٍ لوظيفتها الاجتماعية، وهو أمر قد لا يبقى موضوعه قائماً مع تغير الظروف.
المقاربة التحليلية من منظور علم اجتماع المعرفة يفيد توظيف أدوات علم اجتماع المعرفة في الكشف عن أثر البيئة التاريخية في توجيه الفهم الفقهي.
فقد تشكل جانب مهم من التراث الفقهي في ظل أنظمة سياسية قبلية وإمبراطورية اعتمدت على القوة العسكرية والسلطة الفردية، وهو ما أسهم في ترسيخ تصور ذكوري للولاية العامة بوصفها امتداداً للقيادة العسكرية والسياسية.
ولا يعني ذلك نفي حجية النصوص، وإنما يدعو إلى التمييز بين النص الثابت، وبين الفهم التاريخي الذي تأثر بظروف إنتاجه، بما يفتح المجال لإعادة النظر في بعض التطبيقات الاجتهادية في ضوء تغير بنية الدولة الحديثة.
إن الاجتهاد ملكة علمية لا تختص بالرجال، بل يمكن للمرأة بلوغها تكويناً وتشريعاً، فإذا استنبطت الحكم الشرعي كان قطعها حجة عليها وفق المباني الأصولية المستقرة.
إن الإشكال في مرجعية المرأة لا يرجع إلى قصور في الأهلية العلمية، وإنما إلى اندماج مفهوم الإفتاء تاريخياً بمفهوم الولاية العامة، وهو اندماج يمكن إعادة النظر فيه بعد التمييز بين الوظيفة العلمية والسلطة التنفيذية.
إن أكثر أدلة منع المرأة من القضاء تعتمد على روايات خاصة، أو على قرائن اجتهادية، أو على ارتكازات متشرعية، وهي جميعها قابلة للدراسة والنقد من حيث السند والدلالة وتحقيق المناط.
إن تطور النظم القضائية الحديثة، القائمة على المؤسسية وتعدد درجات التقاضي، يفرض إعادة تقييم كثير من المبررات التي بُني عليها اشتراط الذكورة في القضاء.
أما رئاسة الدولة، فهي تبقى أكثر الولايات إثارةً للخلاف؛ لارتباطها بالنصوص الروائية، والارتكاز الفقهي التاريخي، وطبيعة مفهوم الولاية في التراث الإسلامي، مما يجعل إعادة قراءتها بحاجة إلى دراسات أوسع تجمع بين التحقيق الفقهي والتحليل التاريخي وتؤكد هذه النتائج أن عدداً من الأحكام المتعلقة بالولايات العامة قد تأثر، بدرجات متفاوتة، بالسياقات السياسية والاجتماعية التي تشكل فيها الفقه التاريخي، وهو ما يبرر استمرار البحث الاجتهادي في ضوء تغير البنى المؤسسية للدولة الحديثة، مع الالتزام بالضوابط الأصولية في الاستنباط.



