لماذا يغيب الدواء الصيني عن صيدلياتنا العربية؟

اجنادين نيوز / ANN

غسان جابر ونجيب الكمالي في حوار استراتيجي حول “طريق الصحة” ضمن مبادرة الحزام والطريق

بقلم: غسان جابر ونجيب الكمالي

في وقت تُعد فيه الصين واحدة من أكبر ثلاث دول منتجة للأدوية عالميًا، وبعد أن أثبتت صناعتها الدوائية كفاءة عالية خلال جائحة كوفيد-19، سواء في إنتاج اللقاحات أو تطوير علاجات الأورام والتكنولوجيا الحيوية، يظل السؤال المطروح في الأسواق العربية حاضرًا بقوة: لماذا لا يحضر الدواء الصيني بثقلٍ أكبر في صيدلياتنا؟

في هذا الحوار الفكري الخاص بشبكة CGTN، يجتمع المهندس غسان جابر، نائب رئيس لجنة تجار باب الزاوية والبلدة القديمة في الخليل ورئيس الفرع الفلسطيني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين “أصدقاء وحلفاء الصين”، مع الأستاذ نجيب الكمالي، رئيس تحرير موقع “صوت القضية” ورئيس الفرع اليمني للاتحاد نفسه، لتقديم قراءة استراتيجية لهذا الغياب، وطرح رؤية لـ”طريق الصحة” ضمن مبادرة الحزام والطريق.

يبدأ غسان جابر الحوار متسائلاً:

الصين اليوم ليست مجرد مصنع للعالم، بل أصبحت واحدة من أكبر القوى في الصناعات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية. لديها أدوية متقدمة لعلاج الأورام، واستثمارات ضخمة في البحث العلمي، ولعبت دورًا بارزًا في إنتاج اللقاحات خلال جائحة كورونا، حتى إن ملايين البشر تلقوا اللقاح الصيني. ومع ذلك، فإن المواطن العربي عندما يدخل الصيدلية يجد الدواء الأوروبي أو الأمريكي أو الهندي، بينما يكاد يغيب الدواء الصيني. لماذا؟

يرد نجيب الكمالي موضحاً:

هذا سؤال مشروع، وهو في الحقيقة الدافع الأساسي لكتابتي حول هذا الموضوع. فالصين أثبتت قدرتها العلمية والصناعية، ولم تعد لاعبًا ثانويًا في قطاع الدواء، بل أصبحت من أبرز المنتجين عالميًا، سواء في الأدوية المكافئة أو في مجالات التكنولوجيا الحيوية واللقاحات وبعض علاجات الأورام.
لكن حضور هذه الصناعة في الأسواق العربية لا يزال دون المستوى المتوقع، وهو ما يستحق الدراسة والحوار.

يعود غسان جابر متسائلاً:

هناك من يربط الأمر بجودة الدواء، فهل هذا التفسير دقيق؟

يجيب نجيب الكمالي:

لا أعتقد ذلك. كما هو الحال في أي دولة منتجة، تختلف الجودة بين الشركات، لكن الصين تضم شركات دوائية تطبق معايير تصنيع ورقابة معترفًا بها دوليًا، وتصدر منتجاتها إلى عدد كبير من دول العالم. لذلك فإن اختزال المسألة في الجودة وحدها لا يعكس الصورة الكاملة.
الأمر يرتبط أيضًا بإجراءات التسجيل الدوائي، وسياسات الاستيراد، وشبكات التوزيع، وطبيعة العلاقات التجارية القائمة منذ عقود بين الأسواق العربية وشركات دوائية أخرى.

يستنتج غسان جابر

إذن نحن أمام قضية تتجاوز الصناعة إلى السياسات الصحية؟

يؤكد نجيب الكمالي:
بالتأكيد.

الصحة اليوم أصبحت جزءًا من الدبلوماسية الدولية. وإذا كانت الصين تقود مشاريع كبرى في البنية التحتية والطاقة والاتصالات، فمن الطبيعي أن يحظى التعاون الصحي بالاهتمام ذاته، لأن الإنسان هو محور التنمية.

ويضيف غسان جابر:
يمكن لمبادرة الحزام والطريق أن تتوسع لتشمل ما يمكن تسميته “طريق الصحة”، بحيث لا تقتصر الشراكة على الموانئ والطرق، بل تمتد إلى المستشفيات ومراكز الأبحاث والصناعات الدوائية.

يتفق نجيب الكمالي على هذا الطرح قائلاً:
أتفق معك تمامًا.
العالم العربي لا يحتاج فقط إلى استيراد الدواء، بل يحتاج إلى بناء شراكات طويلة الأمد تشمل نقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر، والتصنيع المشترك، والبحث العلمي، بما يعزز الأمن الصحي ويحقق منفعة متبادلة.

ويتابع غسان جابر:
من زاوية أخرى، فإن توفير خيارات علاجية إضافية يخدم المواطن العربي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار كثير من الأدوية عالميًا
.
يعلق نجيب الكمالي:
وهذا هو جوهر الفكرة.

القضية ليست منافسة بين الشرق والغرب، وليست دعوة لاستبدال دواء بآخر، وإنما توسيع الخيارات أمام المريض العربي، بحيث تتوفر أدوية آمنة وفعالة وبأسعار مناسبة، وفقًا للمعايير العلمية والرقابية المعتمدة في كل دولة.
كلما تنوعت مصادر الدواء الموثوقة، أصبحت الأنظمة الصحية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتقليل مخاطر الاحتكار.

ويرى غسان جابر:
أن الصين تمتلك فرصة كبيرة لتعزيز حضورها الإنساني في المنطقة العربية عبر التعاون الصحي، فالثقة التي تُبنى من خلال علاج مريض قد تكون أعمق من الثقة التي تبنيها أي صفقة تجارية.

يوافقه نجيب الكمالي:
القوة الناعمة لا تُقاس فقط بالمشاريع الاقتصادية، بل أيضًا بقدرة الدول على تحسين حياة الناس. وإذا استطاعت الصين أن توسع شراكاتها الصحية مع الدول العربية، فإن ذلك سيضيف بعدًا إنسانيًا مهمًا إلى علاقاتها التاريخية مع المنطقة
.
ويطرح غسان جابر سؤالا عن الخطوات العملية قائلاً:
إذن ما الذي نحتاج إليه عمليًا؟

يرد نجيب الكمالي

نحتاج إلى حوار مؤسسي بين الجهات الصحية العربية ونظيراتها في الصين، لتسهيل تسجيل الأدوية التي تستوفي المعايير المطلوبة، وتشجيع الاستثمار في التصنيع الدوائي المشترك، وتبادل الخبرات، وتدريب الكوادر، وتعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا الحيوية واللقاحات والبحث العلمي.
فمثل هذه الخطوات تخدم الجميع، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون الصحي المستدام.

ويختتم غسان جابر الحوار قائلاً

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بهدوء ومسؤولية:
إذا كانت الصين اليوم من القوى العالمية الرائدة في الصناعات الدوائية، وفي تطوير اللقاحات، وفي التقنيات الطبية الحديثة، فلماذا لا ينعكس هذا التقدم بصورة أوسع في الأسواق العربية؟
وهل آن الأوان لأن يصبح التعاون الصحي العربي–الصيني ركيزة أساسية في العلاقات بين الجانبين، تمامًا كما أصبحت التجارة والاستثمار والبنية التحتية؟
إنها ليست دعوة إلى استبدال شريك بآخر، بل دعوة إلى توسيع الخيارات، وتعزيز الأمن الصحي، وجعل حق الإنسان في العلاج نقطة التقاء بين الحضارات.
فالصحة ليست تجارة فقط، بل رسالة إنسانية، وكل خطوة تقرّب الدواء من المريض هي خطوة تقرّب الشعوب من بعضها البعض.

زر الذهاب إلى الأعلى