الصين لم تغيّر ميزان القوى… بل غيّرت معنى القوة.

اجنادين نيوز /ANN
بقلم: المهندس غسان جابر – الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين.
أعتقد أن العالم ارتكب خطأً كبيرًا في قراءة الصين.
ولم يكن هذا الخطأ في تقدير حجم اقتصادها، أو عدد سكانها، أو قدراتها الصناعية، أو تقدمها في الذكاء الاصطناعي.
بل كان الخطأ في السؤال نفسه.
فعلى مدى سنوات طويلة، ظل العالم يسأل:
متى تتجاوز الصين الولايات المتحدة؟
ومتى تصبح القوة الأولى؟
ومتى يتغير ميزان القوى الدولي؟
لكنني أعتقد أن هذه الأسئلة، على أهميتها، لم تقترب من جوهر ما يحدث.
لأن الصين، في تقديري، لم تكن منشغلة بمن يحتل المركز الأول.
كانت منشغلة بسؤال أكثر هدوءًا… وأكثر عمقًا:
كيف نبني دولة قادرة على صناعة مستقبلها، جيلاً بعد جيل؟
ومن هنا، بدأ سوء الفهم.
لقد اعتاد العالم أن يقيس صعود الدول بعدد الحروب التي انتصرت فيها، أو بمساحة النفوذ التي فرضتها، أو بحجم القوة التي تمتلكها لردع الآخرين.
أما الصين، فقد اختارت طريقًا مختلفًا.
لم يكن مشروعها أن تجعل العالم يشبهها.
بل أن تجعل نفسها أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وهذا فرق جوهري.
لقد انشغل كثيرون بما أنجزته الصين.
بأطول شبكة قطارات فائقة السرعة في العالم.
وبمدنها الذكية.
وبقفزاتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
وبتحولها إلى أحد أكبر مراكز الابتكار والتصنيع في العالم.
لكن هذه الإنجازات، على عظمتها، ليست سوى نتائج.
أما السؤال الحقيقي فهو:
ما الفكرة التي صنعت كل هذه النتائج؟
في رأيي، تكمن الإجابة في أن الصين لم تعتبر التنمية مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروعًا حضاريًا طويل المدى.
فعندما أعلنت القضاء على الفقر المدقع بعد عقود من العمل المتواصل، لم يكن ذلك مجرد إنجاز اجتماعي، بل رسالة بأن التخطيط المستمر قادر على تغيير مصير مئات الملايين من البشر.
وعندما استثمرت لعقود في التعليم والبحث العلمي، لم تكن تبحث عن نتائج انتخابية سريعة، بل عن بناء أجيال تستطيع المنافسة في عالم المعرفة.
وعندما أنشأت بنية تحتية هائلة قبل أن تفرضها الحاجة، كانت تراهن على المستقبل، لا على الحاضر فقط.
وهنا، في تقديري، يكمن سر التجربة.
الصين لم تستثمر في المستقبل…
بل استثمرت في القدرة على صناعة المستقبل.
وهذا ليس فرقًا لغويًا.
بل فرق في فلسفة الدولة.
لقد غيّرت الصين معنى القوة.
فالقوة، في المفهوم التقليدي، كانت تعني القدرة على التأثير في الآخرين.
أما في التجربة الصينية، فقد أصبحت القوة تعني القدرة على تطوير الذات، وبناء الإنسان، وتحويل المعرفة إلى إنتاج، والتخطيط إلى ثقافة، والعمل إلى قيمة وطنية.
إنه انتقال من قوة السيطرة…
إلى قوة البناء.
وربما لهذا السبب، لم يكن أكثر ما أقلق العالم هو صعود الصين الاقتصادي.
بل الرسالة التي حملها هذا الصعود.
لقد اكتشفت دول كثيرة أن التنمية ليست وصفة واحدة، وأن المستقبل لا تحتكره أمة واحدة، وأن لكل شعب الحق في أن يبحث عن طريقه الخاص.
وهنا تحديدًا بدأت الأسئلة الكبرى.
ليس لأن الصين طلبت من العالم أن يقلدها.
بل لأن نجاحها دفع العالم إلى إعادة التفكير في مسلمات ظل يؤمن بها لعقود.
في عالمنا العربي، كثيرًا ما ننظر إلى التجربة الصينية بإعجاب.
لكن الإعجاب وحده لا يصنع نهضة.
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: كيف أصبحت الصين بهذا الحجم؟
بل: ما الفكرة التي جعلت هذا الحجم ممكنًا؟
فالنهضة لا تبدأ عندما تتوافر الموارد.
ولا عندما تختفي الأزمات.
بل عندما تمتلك الأمة مشروعًا يتجاوز الحكومات، ويصمد أمام التحديات، ويجعل الاستثمار في الإنسان أولوية لا شعارًا.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من التجربة الصينية.
فهي لا تقول للعالم: انسخوا تجربتنا.
ولا تدّعي أن طريقها هو الطريق الوحيد.
بل تقدم حقيقة بسيطة، لكنها عميقة:
لكل أمة الحق في أن تبتكر طريقها نحو التنمية، إذا امتلكت الرؤية، والصبر، والإرادة.
وأخشى أن التاريخ، بعد عقود، لن يكتب أن الصين كانت مجرد قوة اقتصادية صاعدة.
بل سيكتب أن العالم انشغل بسرعة قطاراتها، وارتفاع ناطحات سحابها، وتقدم تقنياتها…
بينما كان الحدث الحقيقي يحدث في مكان آخر.
كان يحدث في إعادة تعريف القوة.
وفي إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والتنمية.
وفي إثبات أن بناء الإنسان قد يكون أكثر تأثيرًا من استعراض القوة.
ولهذا، ربما يكون السؤال الذي سيبقى مطروحًا على الأجيال القادمة ليس:
هل أصبحت الصين القوة الأولى في العالم؟
بل سؤال أكثر عمقًا…
إذا كانت دولة استطاعت أن تغيّر معنى القوة، فهل تملك بقية الأمم الشجاعة لتغيّر معنى نهضتها هي أيضًا؟
ربما تبدأ الإجابة عن هذا السؤال من الصين…
لكنها، بالتأكيد، لن تنتهي عندها.
م. غسان جابر – فلسطين



