ماذا لو بدأت الدولة الفلسطينية بشركة؟

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر
القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

قد يبدو السؤال صادمًا…

لكن اسمحوا لي أن أطرحه.

ماذا لو كانت الخطوة الأولى نحو الدولة الفلسطينية ليست جولة مفاوضات جديدة، ولا قرارًا من الأمم المتحدة، ولا مؤتمرًا دوليًا… بل تأسيس شركة وطنية يملكها الفلسطينيون جميعًا؟

قبل أن يرفض أحد الفكرة، دعونا نتأمل الواقع.

على مدار عقود، طالبنا العالم بالاعتراف بدولتنا، وبحماية شعبنا، وبوقف الاستيطان، وبإعادة إعمار ما يهدمه الاحتلال. ورغم عدالة هذه المطالب، فإن الحقيقة المؤلمة هي أن الاحتلال كان يبني مؤسساته كل يوم، بينما كنا ننتظر أن يبني العالم لنا مستقبلنا.

وهنا يبرز سؤال ربما تأخرنا كثيرًا في طرحه:

هل أخطأنا عندما اعتمدنا على المساعدات، بينما كان علينا أن نبني رأس مال وطنيًا يحمي الأرض والإنسان؟

لا أحد ينكر أهمية المساعدات الإنسانية، فقد أنقذت آلاف العائلات، وخففت من آثار الحروب والكوارث. لكنها، بطبيعتها، تعالج النتائج، ولا تبني المستقبل. أما الأمم التي تريد البقاء، فإنها تؤسس مؤسسات اقتصادية قادرة على إنتاج القوة، لا انتظارها.

والتاريخ يقدم درسًا لا يجوز تجاهله. فالمشروع الصهيوني لم يبدأ بدولة، بل بدأ بمؤسسات اقتصادية وصناديق مالية وشركات استطاعت أن تجمع رأس المال، وتشتري الأرض، وتمول المشاريع، وتبني اقتصادًا سبق الإعلان السياسي للدولة بعقود.

لسنا هنا بصدد المقارنة بين مشروعين يختلفان في الشرعية والعدالة، وإنما لاستخلاص حقيقة بسيطة: الدول لا تبدأ بالسياسة وحدها، بل تبدأ بالمؤسسات.

ومن هنا، أدعو إلى إطلاق حوار وطني جاد حول تأسيس “الشركة الوطنية الفلسطينية للصمود والتنمية”، كشركة مساهمة عامة، مملوكة للفلسطينيين في الوطن والشتات، تعمل وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية والإدارة المهنية، بعيدًا عن التجاذبات الحزبية، ويكون هدفها بناء القوة الاقتصادية التي تحمي الإنسان والأرض.

ولعل السؤال الأجمل ليس: من سيمول هذه الشركة؟

بل:

ماذا لو امتلك كل فلسطيني سهمًا وطنيًا في مستقبل فلسطين؟

ليس تبرعًا… بل ملكية.

ليس صدقة… بل شراكة.

ليس حملة موسمية… بل استثمارًا في الوطن.

تخيلوا ملايين الفلسطينيين، في القدس والخليل وغزة ونابلس، وفي عمّان والدوحة ودبي والرياض، وفي سانتياغو وديترويت ولندن وسيدني، يحمل كل واحد منهم “السهم الوطني الفلسطيني”، فيصبح شريكًا في مشروع اقتصادي جامع، يشعر معه أن له نصيبًا حقيقيًا في بناء وطنه.

إن قيمة السهم ليست في ثمنه، بل في رمزيته. فهو يحول الفلسطيني من متلقٍ للمساعدة إلى مساهم في صناعة المستقبل، ومن متبرع عند الأزمات إلى شريك دائم في بناء الاقتصاد الوطني.

وقد يبدو الحديث عن رأسمال مستهدف يبلغ مليار دولار طموحًا، لكنه ليس رقمًا خياليًا لشعب ينتشر في أكثر من مئة دولة، ويضم آلاف رجال الأعمال والمستثمرين والكفاءات الاقتصادية. وليس المطلوب جمع المبلغ في يوم واحد، بل إطلاق مشروع وطني تراكمي، ينمو عامًا بعد عام، حتى يصبح أحد أهم الأصول الاقتصادية الفلسطينية.

وماذا ستفعل هذه الشركة؟

لن تكون صندوقًا للإغاثة، ولا مؤسسة خيرية جديدة.

بل ذراعًا اقتصادية وطنية تستثمر في شراء الأراضي المهددة بالمصادرة، ودعم المزارعين، وتمويل المشاريع الإنتاجية، وبناء المساكن للعائلات المهددة بالتهجير، والاستثمار في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والأمن الغذائي، وإنشاء صناديق للتأمين على المزارعين والمنشآت المتضررة، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، ليصبح الصمود مشروعًا اقتصاديًا مستدامًا، لا مجرد شعار سياسي.

إننا بحاجة إلى الانتقال من اقتصاد الإغاثة إلى اقتصاد الصمود، ومن ثقافة انتظار المنح إلى ثقافة بناء رأس المال الوطني.

ولذلك، فإنني لا أطرح مجرد فكرة، بل أدعو إلى مبادرة وطنية يشارك في صياغتها الجميع: الحكومة، والقطاع الخاص، وصندوق الاستثمار الفلسطيني، والغرف التجارية، والجامعات، والنقابات، والجاليات الفلسطينية، ورجال الأعمال، والخبراء الاقتصاديون، حتى نضع معًا تصورًا عمليًا لهذا المشروع، ونناقش آلياته، وحوكمته، وضمانات استقلاله ونجاحه.

قد يختلف البعض على الاسم، أو رأس المال، أو آليات التنفيذ، وهذا أمر طبيعي. لكنني أعتقد أننا لن نختلف على حقيقة واحدة: أن فلسطين تحتاج اليوم إلى مؤسسات جديدة بقدر حاجتها إلى المواقف السياسية.

لقد تعب الفلسطيني من انتظار الحلول القادمة من الخارج، وحان الوقت لأن يبدأ في صناعة جزء من الحل بنفسه.

ولعل أعظم ما يمكن أن نورثه لأبنائنا ليس خطابًا جديدًا، ولا بيانًا جديدًا، بل مؤسسة وطنية تبقى بعدنا، وتحمي الأرض، وتدعم الإنسان، وتبني الاقتصاد، وتمنح كل فلسطيني فرصة أن يقول بفخر:

“أنا لا أملك سهمًا في شركة فقط… بل أملك سهمًا في مستقبل فلسطين.”

وربما سيأتي يوم يكتب فيه المؤرخون أن الفلسطينيين لم يبدأوا بناء دولتهم من طاولة المفاوضات، بل من فكرة آمنوا بها، ثم حولوها إلى مؤسسة، ثم إلى اقتصاد، ثم إلى دولة.

فالدول لا يصنعها الاعتراف الدولي وحده… بل يصنعها شعب قرر أن يستثمر في وطنه، قبل أن يطلب من العالم الاعتراف به.

م. غسان جابر

زر الذهاب إلى الأعلى