هل يُعيد الفكر صياغة التحالفات؟.. وارف قميحة والرهان على العمق المعرفي مع الصين

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس فرع اليمن في الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين
في زمن تتغير فيه موازين القوة العالمية، لم تعد التحالفات تُبنى على المصالح الاقتصادية وحدها، فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد امتلاك الأسواق أو التكنولوجيا أو الموارد، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالقدرة على إنتاج الأفكار وصياغة الرؤى والتأثير في الوعي الإنساني. فالدول التي تمتلك مشروعًا فكريًا وحضاريًا قادرًا على مخاطبة العالم، تمتلك فرصة أكبر لبناء علاقات مستقرة تتجاوز المصالح الآنية.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يضطلع به الكاتب والباحث وارف قميحة، الذي يقدم نموذجًا مميزًا في الكتابة العربية حول الصين، ليس باعتبارها قوة اقتصادية صاعدة فقط، بل باعتبارها تجربة حضارية وفكرية تستحق القراءة والتحليل. لقد نجح قميحة في الانتقال من متابعة مظاهر النهضة الصينية إلى محاولة فهم الأسس الفكرية والثقافية التي تقف خلفها، مقدمًا للقارئ العربي نافذة معرفية تساعده على الاقتراب من الصين بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام الجاهزة.
إن قيمة مشروع وارف قميحة لا تكمن فقط في موضوعاته، بل في منهجيته التي تربط بين التاريخ والفكر والسياسة والتنمية. فهو لا يكتفي بعرض الإنجازات الصينية، بل يبحث في العقل الذي صنعها، وفي الرؤية التي وجهت مسارها، وفي العلاقة بين الثقافة وصناعة القوة. وهذه زاوية مهمة، لأن فهم الأمم لا يبدأ من أرقام اقتصادها فقط، بل من أفكارها وقيمها وطريقة نظرتها إلى العالم.
لقد اعتاد كثير من المتابعين في العالم العربي قراءة التجربة الصينية من خلال الاستثمارات والتجارة ومشروعات البنية التحتية، وهي جوانب مهمة بلا شك، لكنها تبقى جزءًا من الصورة. أما الصورة الأوسع فتتطلب فهم العمق الحضاري والفلسفي الذي أسهم في تشكيل النموذج الصيني المعاصر، وهو ما يركز عليه قميحة في كتاباته وأبحاثه.
وتبرز في أعماله حول الفكر القيادي الصيني والرئيس شي جين بينغ محاولة جادة لتقديم قراءة معرفية تتجاوز الوصف إلى التحليل، من خلال تتبع تطور المفاهيم القيادية الصينية، والبحث في نقاط الالتقاء بين بعض جوانب الفكر العربي الإسلامي، كما في فلسفة الفارابي، وبعض الرؤى التنموية الصينية الحديثة. وهي مقاربة تفتح بابًا لحوار حضاري قائم على المعرفة والاحترام المتبادل.
إن الجهد الذي يقدمه وارف قميحة يمثل إضافة مهمة للمكتبة العربية، لأنه يسهم في سد فجوة معرفية طالما حالت دون فهم أعمق للصين. فالعلاقات بين الشعوب لا يمكن أن تبقى أسيرة المصالح الاقتصادية وحدها، بل تحتاج إلى جسور ثقافية وفكرية تعزز الثقة وتمنح الشراكات بعدًا إنسانيًا وحضاريًا.
لقد أدركت الصين مبكرًا أن الاقتصاد يصنع الحضور، لكن الثقافة والفكر يمنحان هذا الحضور الاستمرارية والتأثير. ولذلك فإن بناء العلاقات بين الحضارات يحتاج إلى مفكرين وكتاب قادرين على تقديم قراءات موضوعية وعميقة، وهو ما يحاول قميحة الإسهام فيه من خلال مشروعه المعرفي.
إن أهمية مثل هذه الجهود لا تتوقف عند حدود الكتابة والنشر، بل تمتد إلى تحفيز البحث الأكاديمي وفتح المجال أمام مزيد من الدراسات العربية المتخصصة في الصين، بما يساعد على بناء علاقة أكثر وعيًا وتوازنًا بين الحضارتين العربية والصينية.
فالتجارة تفتح الأسواق، لكن الفكر يفتح العقول. والمشاريع الاقتصادية قد تحقق مصالح مشتركة، لكن المعرفة تصنع الثقة، والثقة هي الأساس الذي يجعل العلاقات بين الأمم أكثر رسوخًا. ومن هذا المنطلق، فإن مشروع وارف قميحة يمثل محاولة جادة للانتقال بالعلاقة العربية الصينية من دائرة التبادل المادي إلى فضاء التلاقي الحضاري.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام المستقبل: هل ستكون القوة لمن يمتلك الاقتصاد الأكبر فقط، أم لمن يستطيع تقديم نموذج فكري وثقافي قادر على بناء الجسور وكسب ثقة الشعوب؟
إن الأرقام تصنع النفوذ، لكن الفكر يمنحه المعنى والديمومة. وفي هذا المجال، يكتب وارف قميحة تجربة معرفية تستحق التقدير، لأنها تضع الثقافة والفكر في قلب الحوار حول مستقبل العلاقات العربية الصينية، وتؤكد أن التقارب بين الشعوب يبدأ من فهم الأفكار قبل تبادل المصالح.

زر الذهاب إلى الأعلى