الصين لم تبنِ مغناطيسًا عملاقًا… بل بدأت كتابة تاريخ القرن الحادي والعشرين

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر – الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين.
بينما كان العالم منشغلًا بالحروب، والعقوبات، والخلافات السياسية، كانت الصين تصنع شيئًا علميا مهما … كانت تبني المستقبل.
لم تطلق رصاصة، ولم ترسل حاملة طائرات، ولم تحتل أرضًا، لكنها صنعت أكبر مغناطيس فائق التوصيل في العالم، بوزن 582 طنًا، ليكون القلب النابض لمفاعل اندماج نووي قد يمنح البشرية يومًا ما مصدرًا شبه غير محدود للطاقة.
قد يظن البعض أن هذا مجرد خبر علمي يخص الفيزيائيين، لكن الحقيقة أنه خبر سياسي واقتصادي بامتياز، وربما يكون من أهم الأخبار التي ستحدد شكل العالم خلال العقود القادمة.
التاريخ لا يكتبه المنتصرون في الحروب فقط، بل يكتبه أيضًا المنتصرون في المختبرات.
قبل مائتي عام، غيّر المحرك البخاري ميزان القوى العالمي. وبعده فعلت الكهرباء، ثم النفط، ثم الحاسوب، ثم الإنترنت، ثم الذكاء الاصطناعي. واليوم قد يكون الاندماج النووي هو الفصل الجديد في كتاب القوة العالمية.
السؤال الحقيقي ليس: ماذا صنعت الصين؟
السؤال الأهم هو: ماذا كنا نحن نصنع بينما كانت الصين تبني هذا الإنجاز؟
كانت الصين تستثمر في العلماء، بينما كان غيرها يستثمر في الخطابات. كانت تبني مختبرات، بينما كان آخرون يبنون ساحات للصراع. كانت تخطط لعقود، بينما ما زال كثيرون يخططون حتى موعد الانتخابات القادمة.
وهنا يكمن الفارق بين الدول التي تصنع التاريخ، والدول التي تكتفي بقراءته.
إنجاز الصين ليس مغناطيسًا يزن 582 طنًا، بل عقل دولة يزن قرنًا كاملًا من التخطيط.
هذا المغناطيس ليس قطعة من الحديد، بل إعلان بأن عصر القوة التقليدية يقترب من نهايته. فمن يملك القدرة على إنتاج طاقة نظيفة ورخيصة وشبه غير محدودة، لن يحتاج إلى خوض الحروب نفسها التي خاضتها الإمبراطوريات من أجل الفحم أو النفط أو الغاز.
لقد بُني النظام العالمي الحديث على الطاقة. قامت الإمبراطوريات حول الفحم، وتشكلت التحالفات حول النفط، واندلعت الحروب بسبب خطوط الغاز. أما إذا نجح الاندماج النووي، فإن الجغرافيا السياسية للعالم قد تُعاد كتابتها من جديد.
عندها لن يكون السؤال: من يملك أكبر حقول النفط؟
بل: من يملك أفضل العلماء؟
هذه هي الثورة الحقيقية التي تقودها الصين.
والأكثر إثارة أن هذا الإنجاز لم يكن ثمرة الصدفة، بل نتيجة مشروع وطني طويل الأمد، اعتمد على التعليم والبحث العلمي والصناعة، وأنتج عشرات براءات الاختراع، وأثبت أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأعلى عائدًا.
في المقابل، علينا أن نطرح على أنفسنا سؤالًا مؤلمًا:
كم جامعة عربية تحولت إلى مركز عالمي للابتكار؟
كم مختبرًا عربيًا يقود ثورة علمية؟
كم باحثًا يعمل على مشروع سيغير مستقبل البشرية؟
للأسف، ما زال جزء كبير من عالمنا العربي يستهلك التكنولوجيا التي يصنعها الآخرون، ويستورد الحلول بدل أن ينتجها، وينفق على الاستهلاك أكثر مما ينفق على المعرفة.
إن أعظم ما في هذا الإنجاز أنه يفضح الفجوة بين الأمم التي تستثمر في المستقبل، والأمم التي تؤجل المستقبل عامًا بعد عام.
الصين لم تصل إلى هذه المرحلة لأنها الأغنى، بل لأنها فهمت معادلة الحضارة: لا توجد دولة قوية بلا علم، ولا اقتصاد قوي بلا صناعة، ولا صناعة متقدمة بلا بحث علمي، ولا بحث علمي بلا رؤية تمتد لعقود.
قد يختلف العالم مع الصين سياسيًا، أو اقتصاديًا، أو أيديولوجيًا، لكن لا أحد يستطيع إنكار حقيقة واحدة: هذه الدولة لا تراهن على الحاضر، بل تستثمر في القرن القادم.
وربما لهذا السبب، فإن أخطر سلاح تمتلكه الصين اليوم ليس صاروخًا فرط صوتي، ولا أسطولًا بحريًا، ولا اقتصادًا ضخمًا…
بل منظومة تعليم وبحث علمي تعرف كيف تحول الفكرة إلى ابتكار، والابتكار إلى صناعة، والصناعة إلى نفوذ عالمي.
إن العالم يقف اليوم أمام سؤال مصيري:
هل ستكون القوة في المستقبل لمن يملك الجيوش، أم لمن يملك المعرفة؟
إذا كان القرن العشرون قد حُكم بالنفط، فإن القرن الحادي والعشرين قد يُحكم بالعقول.
ومن يفهم هذه الحقيقة اليوم… سيقود العالم غدًا.
م. غسان جابر – فلسطين



