الحقيقة بين الشك واليقين، هل أخطأ السوفسطائيون وسقراط معاً ؟
حوار بين الكاتب والباحث حكيم الساعدي والمفكر والفيلسوف التنويري فرقد الأغا

اجنادين نيوز / ANN
حوار اجراه الباحث والكاتب حكيم زغير الساعدي
حكيم الساعدي: قبل أن نخوض في الجدل بين السوفسطائيين وسقراط، أود أن أسأل: ما مفهوم الحقيقة لديكم؟ وكيف تعرفونها فلسفيًا؟
فرقد الأغا: أرى أن الحقيقة هي مطابقة الحكم للواقع في ظرفه الزماني والمكاني، بقدر ما تسمح به أدوات المعرفة المتاحة. وهذا التعريف يجمع بين البعد الموضوعي للحقيقة وحدود الإدراك الإنساني.
فالحقيقة ليست مجرد ما نعتقده، ولا هي ما تفرضه الأهواء أو الاتفاقات الاجتماعية، بل هي علاقة بين الحكم والواقع. غير أن الوصول إلى هذه المطابقة ليس أمرًا مطلقًا؛ إذ يتأثر دائمًا بمستوى المعرفة، وبالمنهج المستخدم، وبالأدوات المتاحة في كل مرحلة من مراحل تطور العقل والعلم.
ومن هنا أميز بين الحقيقة في ذاتها بوصفها مستقلة عن الإنسان، ومعرفة الإنسان بالحقيقة بوصفها عملية تتطور وتقترب من الواقع تدريجيًا. لذلك قد تكون الحقيقة ثابتة في بعض المجالات، بينما يظل فهمنا لها قابلًا للمراجعة والتصحيح، ولهذا لا أتبنى الشك المطلق الذي ينفي إمكان الوصول إلى الحقيقة، ولا اليقين المطلق الذي يفترض اكتمال معرفتنا بها، بل أرى أن المعرفة الإنسانية تتقدم على نحوٍ تراكمي، فتقترب من الحقيقة دون أن تدّعي الإحاطة النهائية بها.
حكيم الساعدي: منذ فجر الفلسفة والجدل قائم حول سؤال الحقيقة. فالسوفسطائيون يرون أن الحقيقة نسبية ومتغيرة، بينما يرى سقراط أنها موضوعية وثابتة. هل يمكن حقًا ترجيح أحد الموقفين؟
فرقد الأغا: المشكلة ليست في وجود هذين الموقفين، بل في تحولهما إلى موقفين مطلقين. فالسوفسطائيون عمّموا النسبية على جميع الحقائق، وسقراط عمّم الثبات على جميعها، بينما أرى أن الإطلاق في الاتجاهين هو أصل الإشكال الفلسفي.
إشكالية النسبية عند السوفسطائيين
حكيم الساعدي: يرى بروتاغوراس أن الإنسان مقياس كل شيء، وأن الحقيقة تختلف باختلاف الأشخاص والظروف. ما الإشكال الفلسفي في هذا التصور؟
فرقد الأغا: إذا قيل إن جميع الحقائق نسبية، فإن السؤال المنطقي الأول هو: هل هذه القضية نفسها نسبية أم مطلقة؟
فإن كانت نسبية، فلا يلزم أحدًا قبولها، وتصبح مجرد رأي كغيرها من الآراء.
أما إذا كانت مطلقة، فقد اعترف أصحابها بوجود حقيقة مطلقة، وهو ما يهدم أصل مذهبهم.
إذن، الجزم بعدم وجود حقيقة مطلقة ينقض نفسه بنفسه.
حكيم الساعدي: وكيف يمكن للسوفسطائي أن يتجنب هذا التناقض؟
فرقد الأغا: إذا أراد أن يبقى منسجمًا مع مذهبه، فلا ينبغي أن يقول: “لا توجد حقائق مطلقة”، بل يقول: “قد لا توجد حقائق مطلقة”. الأولى دعوى يقينية تناقض النسبية، أما الثانية فهي احتمال لا يوقعه في المفارقة الذاتية.
الإنسان مقياس الحقيقة؟
حكيم الساعدي: لكن السوفسطائيين يجعلون الإنسان معيارًا للحقيقة، أليس هذا كافيًا؟
فرقد الأغا: هنا تظهر إشكالية أخرى.
إذا كانت جميع المعارف الإنسانية نسبية وغير موضوعية، فبأي مبرر تصبح هذه المعرفة نفسها معيارًا للحقيقة؟
فالإنسان لا يستطيع أن يكون المرجع النهائي للحقيقة إذا كانت معرفته فاقدة للموضوعية.
الإشكال ليس في الإنسان، وإنما في صلاحية معرفته لأن تكون مقياسًا عامًا للحقيقة.
سقراط والحقيقة المطلقة
حكيم الساعدي: لننتقل إلى سقراط. لقد رفض النسبية، ورأى أن الحقيقة واحدة وثابتة، وأن العقل قادر على بلوغها. أين يكمن الإشكال هنا؟
فرقد الأغا: سقراط قدّم خدمة عظيمة للفلسفة عندما دافع عن وجود الحقيقة الموضوعية، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا الموقف إلى قاعدة عامة تشمل جميع أنواع الحقائق.
حكيم الساعدي: كيف يمكن نقض هذا التعميم؟
فرقد الأغا: إذا قيل إن جميع الحقائق ثابتة، فإن وجود مثال واحد لحقيقة تتغير تاريخيًا أو علميًا يكفي لنقض هذا التعميم.
فالعلوم تتطور، والنظريات تتغير، كما تتبدل كثير من المفاهيم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.
إذن، إطلاق الثبات على جميع الحقائق لا يقل إشكالًا عن إطلاق النسبية عليها جميعًا.
هل الحقيقة من طبيعة واحدة؟
حكيم الساعدي: إذن كيف ينبغي أن نفهم الحقيقة؟
فرقد الأغا: الخطأ أن نتعامل مع الحقيقة وكأنها شيء واحد.
فالحقائق الرياضية والمنطقية ليست كالحقائق العلمية التجريبية، وهذه تختلف عن الحقائق الاجتماعية، كما تختلف جميعها عن القضايا الميتافيزيقية.
لذلك لا يصح إصدار حكم واحد على جميع مجالات المعرفة.
وحدة العقل ووحدة الحقيقة
حكيم الساعدي: يرى سقراط أن وحدة العقل البشري تؤدي إلى وحدة الحقيقة. هل توافق على هذا الاستنتاج؟
فرقد الأغا: لا أراه لازمًا.
فالاشتراك في البنية العقلية لا يعني بالضرورة الاشتراك في النتائج الفكرية.
الإنسان يفكر دائمًا من خلال مقدماته اللغوية والثقافية والنفسية والتاريخية، وهذه تختلف من شخص إلى آخر.
لذلك فإن اختلاف الآراء لا يدل على تعدد العقول، كما أن وحدة العقل لا تستلزم وحدة النتائج.
رؤية الأغا
حكيم الساعدي: بعد هذا النقد للسوفسطائيين ولسقراط، أين تضع موقفك الفلسفي؟
فرقد الأغا: لا أضعه في أحد الطرفين.
فالسوفسطائيون أصابوا عندما أدركوا أن بعض المعارف نسبية ومتغيرة، لكنهم أخطؤوا في تعميم النسبية.
وسقراط أصاب عندما دافع عن وجود حقائق موضوعية، لكنه يواجه إشكالًا إذا عُمِّم الثبات على جميع ميادين المعرفة.
ومن هنا أقترح أن تُفهم الحقيقة بحسب طبيعة موضوعها ومنهج التحقق منها، لا بحسب حكم فلسفي مطلق.
فالخطأ ليس في القول بوجود حقائق نسبية أو حقائق مطلقة، وإنما في تحويل أحد الوصفين إلى قانون كلي يحكم جميع مجالات المعرفة.
حكيم الساعدي: إذن يمكن القول إن مشروعكم لا ينتصر للشك المطلق ولا لليقين المطلق؟
فرقد الأغا: تمامًا. إن الغاية ليست الانتصار لأحد المعسكرين، بل تجاوز هذه الثنائية. فالحقيقة ليست نسبية دائمًا، وليست مطلقة دائمًا، وإنما تتفاوت درجات ثباتها وتغيرها بحسب طبيعة موضوعها ومنهج إثباتها. وعندما نميز بين مستويات المعرفة، يصبح الجدل القديم بين السوفسطائيين وسقراط أقل تعارضًا وأكثر قابلية للفهم ضمن إطار فلسفي أشمل.




