عندما يتحول الحليف إلى بديل عن الوطن… والوكيل إلى قدر محتوم

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي

ليس عيبًا أن تطلب الأمة العون، فالحلفاء أحد مصادر القوة، والعالم لا يقوم على العزلة، ولا ينهض بمن يرفض مدّ الجسور مع الآخرين. لكن العيب الحقيقي، بل الكارثة الصامتة، أن تفقد الأمة القدرة على التمييز بين ذراع تمتد لدعمها، ويد تحاول الإمساك بمقاليد مشروعها الوطني. لقد آن الأوان لنعترف بأن أكبر التحديات التي تواجه حركات التحرر العربية اليوم ليست فقط قوة الخصوم، بل ذلك التحول الخفي الذي يجعل من “الحليف” وطنًا بديلًا، ومن “الوكيل” قدرًا محتومًا.

من هنا، تكتسب “نظرية الوكيل” التي طرحها المفكر الفلسطيني غسان جابر أهمية استثنائية، ليس لأنها تقدم قراءة نقدية للتجربة الفلسطينية فحسب، بل لأنها تؤسس لمفهوم فكري قابل لتفسير كثير من أزمات المنطقة العربية. فقد نجح جابر في نقل النقاش من سؤال: من يدعمنا؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث عندما يصبح انتظار الآخرين بديلًا عن بناء القوة الذاتية؟ وهي إضافة فكرية تستحق التقدير؛ لأنها تعيد الاعتبار للمشروع الوطني بوصفه نقطة الانطلاق، وتجعل الحليف عنصرًا داعمًا لا بديلًا عن الإرادة الوطنية.

في فلسطين، لم يعد السؤال الملح يدور حول من يدعم المقاومة، بل لماذا تحولت الوساطات واللجان الدولية والإقليمية، في كثير من الأحيان، إلى بديل عن مشروع وطني جامع؟ ولماذا أصبحت القضية تُدار بمنطق ما يمكن انتزاعه من الوسطاء أكثر مما تُدار بمنطق ما يستطيع الفلسطينيون إنجازه بتوافقهم الداخلي؟ هنا تتراجع المبادرة الذاتية، ويصبح الخارج جزءًا من تعريف الحل، لا مجرد شريك في دعمه.

أما في اليمن، فالصورة تبدو أكثر تعقيدًا ومرارة. فالأزمة لم تعد مجرد اعتماد على طرف خارجي، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها أدوار القوى الإقليمية والدولية مع الانقسامات الداخلية. لقد أظهرت اتفاقيتا استوكهولم والرياض، رغم ما حملتاه من محاولات لخفض التصعيد وفتح مسارات سياسية، حجم التأثير الخارجي في إدارة الأزمة اليمنية، وأكدتا في الوقت ذاته أن أي تسوية لن تكون مستدامة ما لم تستند إلى إرادة وطنية جامعة. وفي المقابل، ظل الاقتصاد اليمني يعاني من الاعتماد الكبير على الخارج، بينما بقيت مؤسسات الدولة تعاني الانقسام، وأصبحت عملية بناء المؤسسات العسكرية والأمنية مرتبطة، في نظر كثير من المراقبين، بتوازنات وتحالفات تتجاوز الاعتبارات الوطنية الخالصة.

لكن السؤال الأعمق يبقى: لماذا نبحث عن الوكيل أصلًا؟ ربما تكمن الإجابة في الفراغ الداخلي. فالانقسامات الفلسطينية، كما الانقسامات اليمنية، أوجدت فراغًا سياسيًا ومؤسسيًا جعل القوى الخارجية أكثر حضورًا وتأثيرًا. وعندما يعجز الداخل عن إنتاج توافق وطني، يصبح الخارج لاعبًا رئيسيًا في إدارة الأزمة، ليس لأنه يملك حلولًا سحرية، بل لأن غياب التوافق يفتح له المجال للتأثير.

ومن الخطأ الاعتقاد أن القوى الكبرى أو الإقليمية تتحرك بمنطق الإحسان. فالعلاقات الدولية تحكمها المصالح قبل المبادئ. ولهذا فإن الفارق كبير بين دولة توظف تحالفاتها لخدمة مشروعها الوطني، ودولة تعيد تشكيل مشروعها الوطني بما يتوافق مع مصالح حلفائها. الأولى تعزز سيادتها، أما الثانية فتخاطر بأن يتحول قرارها الوطني إلى رهينة لمعادلات خارجية.

ولكي لا يبقى هذا الحديث في دائرة النقد، فإن استعادة المبادرة الوطنية تتطلب خطوات عملية، تبدأ بحوار وطني شامل يعيد بناء الثقة بين القوى السياسية، ويمر بإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية على أسس وطنية جامعة، وصولًا إلى تعزيز استقلال القرار الاقتصادي وتقوية الإنتاج المحلي، بما يقلل من مستويات الارتهان للخارج ويمنح الدولة قدرة أكبر على حماية قرارها السيادي.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي قضية عادلة هو أن تقتنع بأن خلاصها سيأتي من الخارج بدلًا من تنظيم الداخل. فالأوطان لا تُبنى بالوكالة، ولا تُستعاد بالتفويض، بل بإرادة وطنية تعرف كيف تستفيد من الحلفاء دون أن تتنازل عن قرارها.

لقد آن الأوان لأن تعيد النخب العربية ولاسيما اليمنيه والفلسطنية صياغة سؤالها التاريخي. لم يعد السؤال: من سيدعمنا؟ بل: ماذا أنجزنا نحن قبل أن نطرق أبواب العالم؟ فعندما يمتلك الوطن مشروعًا قويًا، ومؤسسات قادرة، وإرادة مستقلة، يصبح الحليف قيمة مضافة، لا بديلًا عن الوطن، ويصبح الدعم الخارجي وسيلة لتعزيز المشروع الوطني، لا مشروعًا وطنيًا بحد ذاته.

زر الذهاب إلى الأعلى