حين تُقرأ الصين من الإنسان إلى النهضة… قراءة في كتاب وارف قميحة عن شي جين بينغ

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
رئيس تحرير موقع صوت القضية الإخباري

في عالم تتسارع فيه التحولات الكبرى، لم تعد معرفة الدول تُبنى فقط على أرقام الاقتصاد أو موازين القوة، بل أصبحت الحاجة إلى فهم الإنسان والثقافة والتاريخ خلف هذه التحولات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالدول لا تصنع مساراتها بالقرارات السياسية وحدها، وإنما عبر منظومة من القيم والتجارب والرؤى التي تتراكم عبر الزمن.
ومن هذا المنطلق تكتسب الكتابات التي تقترب من التجربة الصينية أهمية خاصة، لأنها تفتح نافذة لفهم مسار دولة أصبحت خلال العقود الأخيرة إحدى أبرز القوى المؤثرة في الاقتصاد العالمي والابتكار والتنمية والعلاقات الدولية.
وفي هذا السياق، يبرز كتاب الكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة بعنوان: «شي جين بينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية.. رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل»، بوصفه محاولة معرفية لتقديم جانب من التجربة الصينية من خلال مسار شخصية ارتبط اسمها بمرحلة مهمة من تاريخ الصين المعاصر.
وقد اطلعت على القراءة التحليلية التي قدمتها الدكتورة خديجة عللي، المتخصصة في العلاقات العربية الصينية ورئيسة فرع المملكة المغربية للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين وعضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل، والتي سلطت الضوء على القيمة الفكرية والمعرفية للكتاب ومنهجه في تناول شخصية شي جين بينغ.
وتشير هذه القراءة إلى أن أهمية الكتاب لا تكمن في كونه سيرة تقليدية لقائد سياسي، بل في كونه محاولة لفهم الإنسان الذي يقف خلف موقع القيادة، وكيف يمكن للتجارب المبكرة والبيئة الاجتماعية والعمل الميداني أن تسهم في تشكيل رؤية سياسية وتنموية طويلة المدى.
فمن قرى الريف الصيني الفقيرة إلى مواقع القرار العالمي، يتتبع الكتاب مسار شي جين بينغ باعتباره إنساناً صقلته التجارب، وقائداً تشكلت رؤيته من العمل الميداني والقراءة والتاريخ والفكر، قبل أن يتولى قيادة الصين في مرحلة تشهد تحولات عميقة على المستويين الوطني والدولي.
لقد نجح وارف قميحة في تقديم مادة معرفية ثرية تجمع بين متعة السرد ودقة التوثيق، من خلال مئة وإحدى قصة تسعى إلى الاقتراب من شخصية شي جين بينغ ليس فقط بوصفه رئيساً لدولة كبرى، بل باعتباره نتاجاً لسياق تاريخي وثقافي وحضاري خاص.
وتكمن قيمة هذا العمل في أنه لا يقدم التجربة الصينية باعتبارها نموذجاً جاهزاً للتكرار، وإنما يدعو إلى قراءتها في إطارها التاريخي والحضاري، وفهم العوامل التي أسهمت في بناء تجربة تنموية ذات خصوصية، جمعت بين التخطيط طويل المدى، والعمل المؤسسي، والاستثمار في الإنسان والعلم والتكنولوجيا.
إن قراءة التجربة الصينية تحتاج إلى تجاوز الصور النمطية، لأن فهم أي حضارة لا يبدأ من الأحكام المسبقة، بل من المعرفة والاقتراب والبحث. فمعرفة الصين لا تعني فقط متابعة أخبارها السياسية والاقتصادية، بل فهم ثقافتها وفلسفتها في التنمية ورؤيتها للعالم.
وهنا يبرز الدور المهم للإعلام باعتباره جسراً بين الشعوب. فالإعلام المعاصر لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح شريكاً في صناعة المعرفة وبناء التفاهم بين الحضارات. وكلما اقترب الصحفي من التجربة التي يكتب عنها، ازدادت قدرته على تقديم صورة أكثر عمقاً وتوازناً.
ومن هذا المنطلق، فإن دور المؤسسات الإعلامية والبحثية، ومنها الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين والرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل، يتمثل في تعزيز الحوار الثقافي والإعلامي بين العالم العربي والصين، وتشجيع الدراسات والزيارات الميدانية والتبادل المعرفي الذي يساعد على بناء فهم متبادل بين الجانبين.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من متابعة الأخبار إلى صناعة المعرفة، ومن نقل الصورة إلى تفسيرها، ومن التعامل مع الحضارات من بعيد إلى الاقتراب منها وفهم تجاربها الإنسانية والتنموية.
إن كتاب وارف قميحة يمثل إضافة مهمة إلى المكتبة العربية المهتمة بالصين، لأنه يفتح باباً للحوار حول العلاقة بين القيادة والتنمية، وبين التاريخ والمستقبل، وبين الإنسان والمشروع الحضاري الذي ينتمي إليه.
وفي النهاية، فإن المسافات بين الشعوب لا تُقاس بالكيلومترات، بل بمقدار ما نعرف بعضنا بعضاً. فالمعرفة هي الجسر الأول للتعاون، والحوار هو الطريق الأكثر استدامة لبناء علاقات قائمة على الاحترام والتفاهم والمصالح المشتركة.

زر الذهاب إلى الأعلى