جيش التحرير الشعبي الصيني. حين تصبح القوة حارسة لمسيرة النهضة

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: نجيب الكمالي
رئيس فرع اليمن في الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين

عندما نتابع مسيرة جيش التحرير الشعبي الصيني، فإن أول ما قد يحضر إلى أذهاننا هو صورة جيش كبير يمتلك قدرات عسكرية متقدمة، وتكنولوجيا حديثة، وحضورًا متزايدًا في المشهد الدولي. لكن هذه الصورة، رغم أهميتها، لا تختصر الحكاية كاملة؛ فخلف هذا الجيش توجد قصة أعمق، قصة مؤسسة ارتبطت بتاريخ دولة، ورافقت تحولاتها الكبرى، وأصبحت جزءًا من مشروع وطني شامل.
فالجيوش في تاريخ الأمم لا تُقاس فقط بحجم ما تمتلكه من أسلحة، بل بالدور الذي تؤديه في مسيرة بناء الدولة وحماية خياراتها الكبرى. وهناك جيوش نشأت بعد قيام الدول بهدف الدفاع عنها، وهناك جيوش ولدت في لحظات التحول التاريخي، ثم أصبحت أحد مكونات بناء الدولة الحديثة. ويُعد جيش التحرير الشعبي الصيني من أبرز النماذج التي ارتبط فيها بناء المؤسسة العسكرية بمسار بناء الدولة نفسها.
وفي الأول من أغسطس عام 2026، تحل الذكرى التاسعة والتسعون لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني، وهي مناسبة لا تستدعي فقط استحضار تاريخ عسكري طويل، بل تفتح بابًا للتفكير في سؤال أكبر: هل يصنع الجيش نهضة الدولة، أم أن نهضة الدولة هي التي تمنح الجيش أسباب القوة والاستمرار؟
ومن خلال قراءة التجربة الصينية، يبدو أن العلاقة بين الجيش والدولة لم تكن علاقة منفصلة، بل علاقة تكامل متبادل. فقد تطورت المؤسسة العسكرية مع تطور الدولة، كما أن الاستقرار الذي ساهمت في تعزيزه وفر بيئة مناسبة لاستمرار التنمية وبناء الاقتصاد والتكنولوجيا.
ولعل خصوصية التجربة الصينية تكمن في أن الجيش لم يكن مؤسسة بعيدة عن المجتمع أو عن مشروع الدولة، بل ارتبط منذ بداياته بمراحل تاريخية صعبة، ثم تطور دوره مع انتقال الصين من مرحلة إعادة بناء الدولة إلى مرحلة الإصلاح والانفتاح، وصولًا إلى مرحلة أصبحت فيها قوة اقتصادية وتكنولوجية مؤثرة عالميًا.
إن مفهوم القوة في عالم اليوم تغير كثيرًا. فلم تعد القوة تقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية فقط، بل أصبحت مزيجًا من الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا والقدرة على حماية المصالح الوطنية في عالم شديد التعقيد.
فالدولة التي تمتلك اقتصادًا متقدمًا تحتاج إلى منظومة أمنية تحمي إنجازاتها، والمؤسسة العسكرية تحتاج إلى قاعدة اقتصادية وعلمية تمكنها من مواصلة التطور. ومن هنا أصبحت العلاقة بين الأمن والتنمية علاقة مترابطة؛ فالأمن يوفر بيئة التنمية، والتنمية تمنح الأمن مقومات القوة والاستمرار.
وفي هذا السياق، تأتي رؤية الرئيس الصيني شي جين بينغ التي تربط بين الأمن والتنمية، وتؤكد أن تحديث الجيش يسير جنبًا إلى جنب مع مسار التحديث الشامل للدولة، عبر الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار وبناء قدرات تتناسب مع تحديات العصر.
إن قراءة تجربة جيش التحرير الشعبي الصيني لا ينبغي أن تتوقف عند حدود التطور العسكري، بل يجب أن تمتد إلى فهم الطريقة التي استطاعت بها الصين أن تجعل مؤسساتها تعمل ضمن رؤية وطنية طويلة المدى، بحيث يصبح الجيش جزءًا من منظومة أوسع هدفها حماية الاستقرار ودعم مسيرة التنمية.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل كان صعود الصين سببًا في قوة جيشها، أم أن قوة جيشها كانت أحد أسباب صعودها؟ وربما تكمن الإجابة في العلاقة المتبادلة بين الطرفين؛ فالتنمية صنعت قاعدة القوة، والقوة ساعدت على حماية مسار التنمية.
إن الدرس الذي يمكن تأمله من التجربة الصينية لا يتعلق بالجانب العسكري فقط، بل بفكرة بناء الدولة. فالأمم لا تصنع مكانتها بمؤسسة واحدة، وإنما بقدرتها على تحقيق الانسجام بين مؤسساتها، وتحويل رؤيتها إلى واقع ملموس.
وبعد تسعة وتسعين عامًا على تأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني، فإن السؤال الأعمق ليس فقط: كم بلغت قوة هذا الجيش؟ بل كيف استطاعت الصين أن تجعل هذه المؤسسة جزءًا من قصة نهضة وطنية متكاملة؟
فالقوة الحقيقية لا تكمن فيما تمتلكه الدول فقط، بل في قدرتها على بناء مشروع طويل المدى، يحول الطموح إلى إنجاز، والرؤية إلى مستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى