حين تصبح الحماية الاجتماعية قضية وطن

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: نجيب الكمالي
منذ بدايات تشكل الوعي الوطني والحركة الاجتماعية في اليمن، كانت قضية العمال والفلاحين تمثل جوهر أي مشروع نهضوي يسعى إلى بناء دولة عادلة. فلم يكن العامل مجرد رقم في حسابات الإنتاج، بل كان الإنسان المنتج الذي تقوم على جهده عملية التنمية، والضمير الحي الذي تختبر به المجتمعات صدق شعاراتها حول العدالة الاجتماعية.
ومنذ نشأته، حمل الحزب الاشتراكي اليمني مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا جعل من العامل والفلاح محورًا أساسيًا في رؤيته لبناء الدولة والمجتمع. فلم ينظر إليهما باعتبارهما مجرد قوة إنتاجية، بل باعتبارهما شريكين في صناعة التنمية، وصاحبي حق في الكرامة والحماية والعدالة الاجتماعية.
لقد ارتبط مشروع الحزب بالدفاع عن الطبقات المنتجة، وتعزيز دور الحركة النقابية، والإيمان بأن تنظيم العمال وتوحيد جهودهم يمثل وسيلة أساسية للدفاع عن حقوقهم وتحسين ظروفهم المعيشية. وكانت قضايا العمل والأجور والضمان الاجتماعي وحماية الفلاحين جزءًا من رؤية أوسع ترى أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم الاقتصاد، بل بمدى انعكاسها على حياة الإنسان البسيط.
لقد كانت الحركة العمالية اليمنية في مراحلها المختلفة صوتًا للعمال والفلاحين، تعبر عن تطلعاتهم إلى حياة كريمة وضمان اجتماعي يحميهم من تقلبات الزمن. فالعامل الذي يبني المصانع والمؤسسات والمشاريع، والفلاح الذي يزرع الأرض ويوفر الغذاء للمجتمع، يمثلان أساس أي مشروع وطني يريد بناء دولة مستقرة.
لكن واقع اليوم يحمل تحديات كبيرة. فسنوات الحرب والانقسام والأزمة الاقتصادية تركت آثارًا عميقة على حياة اليمنيين، وكان العامل في مقدمة المتضررين. فلم تعد القضية فقط انخفاض الدخل وارتفاع الأسعار، بل أصبحت تمتد إلى مستقبل العامل وحقه في الحماية الاجتماعية، في ظل انتشار التهرب التأميني وضعف الالتزام بتسجيل العمال وتسديد الاشتراكات المستحقة.
إن أخطر ما يواجه العامل اليمني ليس فقط صعوبة الحياة اليومية، بل أن يقضي سنوات عمره في العمل والإنتاج، ثم يجد نفسه دون ضمان يحفظ له كرامته عند التقاعد أو العجز، أو يوفر لأسرته الحد الأدنى من الأمان بعد رحيله.
فالتأمين الاجتماعي ليس مجرد إجراء مالي أو معاملة إدارية، بل هو عقد اجتماعي وأخلاقي وقانوني بين العامل والدولة والمنشأة التي يعمل بها. وهو اعتراف بحق الإنسان الذي ساهم بجهده وعرقه في بناء الاقتصاد الوطني.
ومن هنا، فإن حماية العامل اليمني تتطلب موقفًا وطنيًا مسؤولًا، تشترك فيه المؤسسات الرسمية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية كافة، من خلال التطبيق الجاد لقوانين التأمينات الاجتماعية، ومواجهة كل أشكال التهرب، وضمان وصول العامل إلى حقه في الحماية والاستقرار.
وتأتي أهمية إلزام القطاع الخاص بتسجيل عماله وتسديد اشتراكاتهم التأمينية، باعتبار ذلك مسؤولية قانونية وأخلاقية؛ لأن حرمان العامل من التأمين يعني حرمانه من حق أساسي في الأمان الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يبقى الحزب الاشتراكي اليمني، بما يحمله من إرث تاريخي مرتبط بقضايا العمال والفلاحين، أمام مسؤولية مواصلة دوره في الدفاع عن حقوق الطبقات المنتجة، والعمل مع مختلف القوى الوطنية لترسيخ العدالة الاجتماعية. فالقيمة الحقيقية لأي مشروع سياسي لا تظهر في الشعارات فقط، بل في قدرته على الاقتراب من هموم الناس والدفاع عن حقوقهم اليومية.
فالعامل اليمني ليس طرفًا هامشيًا في المجتمع، بل هو أحد أعمدة الاقتصاد وروح التنمية. ومن يحمي العامل ويحفظ حقه في التأمين والاستقرار، فإنه يحمي مستقبل المجتمع كله.
لأن الأوطان لا تبنى فقط بالمشاريع والموارد، بل تبنى باحترام الإنسان الذي يعمل وينتج، وبالوفاء لمن صنعوا مجدها بعرق جبينهم، حين كان الغد لا يزال في رحم الغيب.


