فتح وحماس… تنظيمات تخوض انتخابات داخلية وشعب بلا انتخابات

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر

في الوقت الذي كان فيه طفل في غزة يبحث بين الركام عن زجاجة ماء، وأسير فلسطيني ينتظر مصيره خلف القضبان، وشاب في الخليل أو جنين أو نابلس يركض بين الحواجز العسكرية باحثًا عن طريق مفتوح للحياة…
كانت النخب السياسية الفلسطينية منشغلة بعدّ أصوات اللجنة المركزية، وترتيب توازنات المكتب السياسي، وحسابات الأقاليم والمحاور والأجنحة.

هذا ليس مشهدًا رمزيًا.
هذه هي المعضلة الفلسطينية الحقيقية اليوم.

شعب يعيش أخطر مراحل وجوده السياسي والوطني، بينما جزء كبير من نظامه السياسي يتصرف وكأن القضية الأساسية هي: من يجلس على الكرسي… لا كيف نحمي الوطن الذي يتآكل تحت أقدام الجميع.

فتح تنتخب داخلها.
حماس تنتخب داخلها.
أما الفلسطيني نفسه، فقد تحوّل إلى متفرج طويل الأمد على نظام سياسي يتحدث باسمه دون أن يمنحه حق اختيار من يمثله.

جيل كامل وُلد وكبر ودخل الجامعات وربما تزوج أيضًا… دون أن يشارك في انتخابات وطنية واحدة.

وهنا لا تعود المشكلة مجرد تأخير انتخابي.
بل تتحول إلى أزمة شرعية سياسية وأخلاقية ووطنية.

لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة تحرر هو أن تبدأ بالتعامل مع نفسها كغاية بحد ذاتها، لا كأداة لخدمة الشعب.

وهذا ما يحدث تدريجيًا.

بعض الفصائل الفلسطينية لم تعد مجرد تنظيمات مقاومة أو حركات وطنية، بل أصبحت مع الوقت “طبقة سياسية” كاملة.
طبقة لها امتيازاتها، وشبكات مصالحها، وبيروقراطيتها، ومراكز نفوذها، وحساسيتها الشديدة تجاه أي تغيير قد يهدد توازناتها الداخلية.

ولهذا أصبح الحفاظ على البنية التنظيمية أحيانًا أهم من إعادة بناء المشروع الوطني نفسه.

صار هناك من يخاف على التنظيم أكثر مما يخاف على الناس.
ومن يقلق على تماسك اللجنة أكثر من قلقه على تفكك المجتمع.
ومن يتعامل مع تداول القيادة وكأنه تهديد أمني لا ضرورة سياسية.

المشكلة ليست فقط في بقاء الوجوه القديمة، بل في أن العقل السياسي نفسه أصبح قديمًا.

العالم تغيّر بالكامل.
الحروب تغيّرت.
الإعلام تغيّر.
شكل القيادة تغيّر.
حتى مفهوم القوة تغيّر.

بينما ما زالت أجزاء واسعة من النظام السياسي الفلسطيني تتحرك بعقلية الفصائل المغلقة التي ترى المجتمع مجرد “خزان تأييد”، لا شريكًا حقيقيًا في القرار.

ولهذا يشعر كثير من الشباب الفلسطيني اليوم بالغربة السياسية.

ليس لأن هذا الجيل غير وطني كما يحب البعض أن يردد، بل لأنه لا يرى نفسه داخل هذه البنى التقليدية الجامدة.

جيل يعيش العالم عبر شاشة هاتف، يرى كيف تصعد قيادات جديدة في العالم خلال سنوات قليلة، بينما السياسة الفلسطينية تبدو وكأنها محكومة بعقود غير مكتوبة تمنع الزمن من الحركة.

جيل يريد أن يناقش:

الاقتصاد،

التكنولوجيا،

الإعلام الرقمي،

أشكال المقاومة الجديدة،

بناء المؤسسات،

العدالة الاجتماعية،

والهوية الفلسطينية الحديثة.

لكنه يصطدم كل مرة بجدران تنظيمية صلبة ما زالت تعيش صراعات الثمانينات وأدوات التسعينات وخطابات الألفية الأولى.

والنتيجة كارثية.

الكفاءات تنسحب.
الشباب يبتعدون عن العمل السياسي.
الثقة الشعبية تتآكل.
والفراغ يكبر.

وفي السياسة، أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط وجود الانقسام… بل أن يفقد الناس إيمانهم بأن التغيير ممكن أصلًا.

إسرائيل تفهم هذه الأزمة جيدًا، وربما تراهن عليها أكثر من رهانها على القوة العسكرية وحدها.

فالاحتلال لا يخشى فقط البندقية.
هو يخشى مجتمعًا حيًا، متجددًا، يملك شرعية شعبية حقيقية، ونظامًا سياسيًا قادرًا على إنتاج قيادات جديدة وأفكار جديدة باستمرار.

أما النظام المتكلس، فهو أفضل بيئة يمكن أن يعيش فوقها أي احتلال طويل الأمد.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لم يعد ترفًا سياسيًا أو مادة للحوارات التلفزيونية.

الإصلاح أصبح قضية بقاء وطني.

والبداية يجب أن تكون واضحة وصريحة دون مواربة:

أولًا: إجراء انتخابات وطنية شاملة لكل المؤسسات الفلسطينية دون استثناء، لأن الشعب الذي لا يختار قيادته يتحول تدريجيًا إلى جمهور خارج السياسة.

ثانيًا: تحديد سقف زمني للمواقع القيادية داخل الفصائل، لأن الثورة التي لا تجدد دمها تتحول مع الوقت إلى إدارة مغلقة تخاف المستقبل.

ثالثًا: فتح المجال الحقيقي أمام جيل جديد، لا كواجهة إعلامية أو ديكور شبابي، بل كشريك فعلي في صناعة القرار.

رابعًا: إعادة تعريف وظيفة الفصيل الفلسطيني؛ من “مركز سلطة” إلى “أداة خدمة وطنية” تخضع للمحاسبة الشعبية والشفافية السياسية والمالية.

خامسًا: الانتقال من عقلية إدارة الانقسام إلى عقلية بناء مشروع وطني جديد يليق بحجم التحولات التي يعيشها الفلسطيني والمنطقة والعالم.

الفلسطيني اليوم لا يريد خطابات إضافية عن الوحدة، ولا بيانات تخدير سياسي، ولا مهرجانات تصفيق حزبي.

هو يريد أن يشعر أن صوته له قيمة، وأن الوطن ليس شركة مغلقة، وأن السياسة ليست إرثًا عائليًا أو تنظيميًا يُورّث جيلاً بعد جيل.

لأن القضية الفلسطينية أكبر من كل الفصائل…
وأكبر من كل القيادات…
وأكبر من كل الكراسي التي يتقاتلون عليها بينما الأرض نفسها تضيق كل يوم.

وحين تصبح الانتخابات داخل التنظيم أهم من الانتخابات داخل الوطن…
فهذا ليس دليل قوة سياسية.

بل العلامة الأخطر على أن بعض القوى بدأت تنشغل بالبقاء داخل السلطة أكثر من انشغالها بتحرير الشعب.

م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

زر الذهاب إلى الأعلى