حين تتكلم الخوارزمية النسر والتنين يعيدان رسم العالم

اجنادين نيوز / ANN

بقلم نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين

وأنا أتمعن في قراءة مقال الزميل غسان جابر بعنوان حين يضحك التنين على النسر، لمست أن ما يريد أن يقوله يتجاوز حدود السرد السياسي التقليدي ليكشف صورة جديدة للعالم حيث يتغير مفهوم القوة بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية.
ومن هنا تتكشف ملامح التحول العميق في مفهوم القوة العالمية، حيث لم تعد الجغرافيا وحدها هي محدد النفوذ.
أستطيع أن أقول إن قراءة الزميل غسان جابر للعالم ولتحولات النظام الدولي تتجاوز الوصف لما تحمله من عمق في التحليل وقدرة على التقاط مسارات تشكل القوة في العالم المعاصر، فقد استطاع أن يدرك أن هناك سباقًا على التحكم والسيطرة، وأن الصين استطاعت أن تدخل بسرعة في هذا السباق وتفرض حضورها فيه عبر تطوير أدواتها في التكنولوجيا والبيانات والخوارزميات، ليصبح هذا السباق أحد أهم مسارات إعادة تشكيل موازين القوة العالمية.
وفي هذا السياق تتداخل السياسة مع التكنولوجيا بشكل غير مسبوق، لتصنع مشهدًا عالميًا جديدًا.
في عالم سريع التغير لم يعد الصوت العالي أو القوة العسكرية وحدهما هما الحاكمان، بل أصبحت الخوارزمية والبيانات والمعلومات هي العنصر الأهم في تشكيل وعي الناس وتوجيه أفكارهم.
وكأن التاريخ يعيد كتابة نفسه بلغة غير مرئية تتحكم في اتجاهاته بهدوء شديد.
اليوم لم تعد القوة فقط في عدد الجنود أو حجم الاقتصاد، بل أصبحت مرتبطة بامتلاك المعرفة، والتحكم في تدفق المعلومات، وصناعة الخوارزميات القادرة على التأثير في سلوك الإنسان عبر الإنترنت ومواقع التواصل ومحركات البحث.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن التطورات الرقمية التي أعادت تعريف مفهوم النفوذ العالمي.
وهكذا لم يعد الصراع بين النسر والتنين مجرد منافسة سياسية أو اقتصادية، بل تحول إلى صراع أعمق على شكل العالم القادم، حيث تعتمد الولايات المتحدة على الانفتاح والحرية الرقمية، بينما تعتمد الصين على التنظيم وإدارة المعلومات بشكل مركزي.
وفي المقابل تتغير أدوات التأثير والنفوذ بشكل جذري لم يعد الاقتصاد وحده كافيًا لفهمه.
وفي النهاية تبدو النتيجة متقاربة، فالعالم كله أصبح يعتمد على البيانات، والخوارزميات أصبحت تتحكم في جزء كبير من حياة الإنسان، والإنسان نفسه صار مصدرًا دائمًا للمعلومات يتم جمعها وتحليلها وإعادة توظيفها.
وكأن العالم ينزلق بهدوء نحو شكل جديد من السيطرة غير المرئية.
وفي الوقت نفسه لم يغفل الزميل غسان جابر أن يفتح على واقعنا العربي سؤالًا أكثر إيلامًا: أين موقعه من هذا السباق المتسارع؟ وهل يمتلك أدوات المشاركة في صناعة المستقبل، أم أنه ما زال في موقع المتلقي لما يُنتج خارج حدوده، بعيدًا عن مراكز التأثير وصناعة القرار؟
وهنا يبرز تساؤل جوهري حول قدرة المنطقة على اللحاق بعصر السيادة الرقمية.
في النهاية، ما يحدث بين النسر والتنين ليس مجرد صراع بين دولتين، بل هو تحول عميق في شكل العالم، حيث أصبحت القوة الحقيقية في القدرة على التحكم في الوعي وصناعة الأفكار.
وما يبدو صراعًا اليوم هو في عمقه إعادة تشكيل للنظام العالمي بأكمله.

زر الذهاب إلى الأعلى