حرب المصطلحات وعقلانية التحرر

اجنادين نيوز / ANN
المفكر التنويري فرقد الأغا
حين تُسلب الكلمات مقاصدها الحقيقية لا يُشوه المعنى الفكري فحسب، بل يُزيف الوجود البشري بأكمله. إن معركة الوعي المعاصر لم تعد معركة ميدان، بل غدت حرب مصطلحات ممنهجة، تهدف قوى الظل من خلالها إلى تدجين العقل وتحنيطه، وفي مواجهة هذا المسخ الدلالي لا يملك الفكر التنويري إلا إشهار مشرط العقل النقدي لإعادة ضبط المفاهيم، وفك الاشتباك المصطنع بين التحرر الفكري بوصفه نهوضاً عقلانياً رصيناً لبناء الإنسان، وبين الإباحية الفكرية باعتبارها سيولة هدمية ووجهاً آخر للتحجر المعرفي.
إن الكلمة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي وعاء الفكرة ومحدد السلوك ولهذا غدت المفاهيم الساحة الأولى والمعركة الأشرس في مسيرة الوعي الإنساني. إننا نعيش اليوم حاجة تاريخية ملحة لتفكيك البنى اللغوية وإعادة ضبط المعنى الدلالي للمفردات، وهي مهمة وجودية نجد أنفسنا معنيين بها أكثر من أي وقت مضى، لاسيما بعد أن تعرضت ترسانتنا الاصطلاحية لعمليات سلخ ممنهجة عُزلت بموجبها المفاهيم عن مقاصدها الحقيقية بفعل غائي غير بريء.
لقد برعت رموز في الظل عبر عقود متعاقبة في هندسة التلاعب بالمفاهيم، وممارسة المراوغة اللغوية وخلط الأوراق بغية إخضاع العقل الجمعي، والمؤسف في هذا المشهد ليس انقياد العامة فحسب، بل وقوع الكثير من المثقفين في فخاخ هذه المصطلحات الممسوخة، إذ استسلمت النخبة لسطوة العقل الجمعي بدلاً من أن تضطلع بدورها الطبيعي في تقصي الجذور اللغوية والبحث عن أُسّ المفاهيم وتاريخيتها، وهذا القصور المعرفي جعل من المثقف المقلد أداة لتمرير مشاريع قوى آثرت استعباد العقول وتحنيط الوعي لصالح مآربها الضيقة، بعد أن صُبغت التشويهات بصبغة الحقائق المطلقة التي لا تقبل النقاش، فحين يفقد المثقف حاسة النقد الدلالي يتحول من حارس للوعي إلى ضحية للمسخ.
ومن أجل الخروج من هذا المأزق، فإن الحل لا يكمن في فرض قيود تقليدية جديدة، بل في تفعيل العقل النقدي بوصفه الضابط المنهجي الأوحد لحركة التطور التنويري، فهو البوصلة التي تمنح الفكر حريته وديناميكيته، وتمنعه في الوقت ذاته من الانزلاق نحو التبعثر والتلاشي. وبناءً على هذا الضبط المنهجي يصبح من الضروري التمييز الصارم بين مفهومين تعرضا لأسوأ أنواع التدليس والخلط المتعمد وهما التحرر الفكري والإباحية الفكرية.
فالإباحية أو الفوضوية الفكرية فعل هدمي بامتياز يقوم على تقويض القيم والضوابط المنهجية دون تقديم بديل معرفي بناء، وهي حالة من السيولة التي تلتقي مع الجمود في النتيجة ذاتها، إذ إن كليهما يغيب العقل ويقضي على إمكانية إنتاج معرفة حقيقية.
أما التحرر الفكري فهو فعل عقلاني رصين يهدف إلى الانعتاق من أسر الجمود واليقين غير المبرهن، ليس من أجل الهدم العبثي، بل بغية بناء فهم أعمق وأكثر انفتاحاً، وأشد اتساقاً مع حركة الفكر البشري، وبذلك يكون التحرر الفكري الحقيقي هو النقيض التام للجمود، بينما الفوضوية ليست إلا وجهاً آخر للتحجر المعرفي، نظراً لتشابه مخرجاتهما الهدمية، ومن أجل ذلك تظل العودة الدائمة إلى جذر المفردة واستنطاق معناها الدلالي الأصيل ضرورة إبستمولوجية ملحة، والخطوة الأولى نحو تحرير الإنسان وبناء وعي تنويري صلب لا تهزه عواصف التدليس.
إن تحرير الإنسان يبدأ من تحرير لغته والانعتاق من أسر العقل الجمعي الجاهز هو أولى عتبات النهوض. لذا فإن التوصية الوجودية والإبستمولوجية الملحة لكل حارس للوعي اليوم تتمثل في التخلي عن دور المثقف المقلد، وإحياء حاسة النقد الدلالي الصارم وعدم الاستسلام للمصطلحات الممسوخة، بل استنطاق جذور المفاهيم وتاريخيتها، فليكن العقل النقدي الرصين البوصلة والميزان الصارم لإنسانيتنا لنتحرر بوعي يبني ولا يهدم، ونجعل من عقلانية التحرر حصناً منيعاً لا تبتلعه سيولة الفوضى ولا تقيده أصنام التحجر.




