الفصائل الفلسطينية… ثورات تحولت إلى هياكل تخشى التغيير

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر
في تجارب الشعوب، تموت حركات كثيرة تحت القصف والحصار والاغتيال.
أما في الحالة الفلسطينية، فالمشهد أكثر قسوة وتعقيدًا: بعض الفصائل لم تمت تحت ضربات الاحتلال… بل بدأت تذبل ببطء تحت ثقل الشيخوخة السياسية والتنظيمية.
لسنا أمام أزمة عابرة يمكن تجاوزها ببيان وحدوي جديد، أو اجتماع مطوّل ينتهي بصورة جماعية وخطاب عن “إنهاء الانقسام”. ما يواجه الحالة الفلسطينية اليوم هو أزمة بنيوية عميقة تمسّ شكل القيادة، وطبيعة التنظيم، وآلية إنتاج القرار، وعلاقة الفصائل بالأجيال الجديدة، بل وتمسّ تعريف السياسة الفلسطينية نفسها.
المشكلة لم تعد فقط في الانقسام.
المشكلة أن جزءًا واسعًا من النظام السياسي الفلسطيني يعيش خارج الزمن.
في الوقت الذي يعيد فيه العالم تشكيل السياسة عبر التكنولوجيا والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي، ما زالت قطاعات واسعة من الفصائل الفلسطينية تُدار بعقلية الستينات والسبعينات، وكأن التاريخ توقف، وكأن مجرد حمل “الشرعية التاريخية” يكفي للاستمرار إلى الأبد.
لكن الحقيقة القاسية أن التاريخ يمنح الشرعية… ولا يضمن الكفاءة.
وهنا تبدأ المأساة الفلسطينية الصامتة.
حين يصبح القائد أقدم من الفكرة نفسها، تتحول الحركة من مشروع تحرر إلى مؤسسة تخشى التغيير أكثر مما تخشى الاحتلال.
كثير من التنظيمات الفلسطينية لم تعد تُنتج قيادات جديدة، بل أصبحت تعيد تدوير النخبة ذاتها منذ عقود. الأسماء نفسها، والخطابات نفسها، والصراعات نفسها، وحتى اللغة السياسية نفسها، بينما جيل فلسطيني كامل يشعر أن السياسة الفلسطينية لا تشبهه، ولا تمثله، ولا تتحدث بلغته.
في الجامعات، وفي الفضاء الرقمي، وفي الشارع الفلسطيني، يمكن ملاحظة الفجوة بوضوح. شباب يتحدثون بلغة العالم، يصنعون محتوى سياسيًا وإعلاميًا حديثًا، يواجهون الرواية الإسرائيلية على المنصات الدولية، بينما ما زالت بعض البنى التنظيمية غارقة في بيانات خشبية واجتماعات مغلقة وآليات تفكير تنتمي إلى زمن مختلف.
والأسوأ أن بعض الفصائل تحولت تدريجيًا إلى ما يشبه “الاقتصاد السياسي المغلق”، حيث تتشابك المواقع التنظيمية مع المصالح والنفوذ والامتيازات، فيصبح الحفاظ على البنية القائمة هدفًا بحد ذاته، حتى لو تآكلت الفكرة الوطنية التي قامت عليها الحركة أصلًا.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالاحتلال الإسرائيلي لا يخشى الفصائل العجوز بقدر ما يخشى ولادة حركة وطنية فلسطينية متجددة، شابة، مرنة، تمتلك القدرة على فهم العالم الجديد وأدوات التأثير فيه.
المشروع الصهيوني يتطور يوميًا:
تقنيات مراقبة متقدمة، ذكاء اصطناعي، اختراق إعلامي عالمي، إعادة تشكيل للرواية، وتحالفات اقتصادية وسياسية عابرة للقارات.
بينما ما زال جزء من الواقع الفلسطيني يناقش الأسئلة ذاتها منذ ثلاثين عامًا، بعقلية تعتبر النقد مؤامرة، والتجديد تهديدًا، والشباب مجرد صورة في مؤتمر تنظيمي.
الأخطر من ذلك أن بعض القيادات الفلسطينية باتت تخشى الانتخابات الداخلية أكثر مما تخشى الاحتلال نفسه.
لأن الانتخابات الحقيقية تعني احتمال فقدان السيطرة.
تعني ظهور قيادات جديدة.
تعني مساءلة سياسية ومالية وتنظيمية.
تعني نهاية فكرة “القائد الأبدي” الذي يتحول مع الوقت من رمز نضالي إلى مركز دائم للسلطة لا يجوز الاقتراب منه.
وهنا تتحول التنظيمات من حركات تحرر إلى أنظمة مغلقة.
والأنظمة المغلقة لا تنتج إلا الجمود… ثم الانفجار.
المشكلة أيضًا أن جزءًا من الحياة السياسية الفلسطينية ما زال يتعامل مع الوطنية وكأنها “ملكية تنظيمية حصرية”، تُوزع فيها شهادات الشرعية وفق التاريخ الحزبي، لا وفق القدرة والكفاءة والرؤية.
وكأن مناضلي اليوم مطالبون بالصمت احترامًا لمناضلي الأمس، حتى لو كانت البنية السياسية نفسها تنهار أمام أعين الجميع.
لكن الشعوب لا تُدار بالحنين وحده.
ولا تُبنى الأوطان عبر إعادة تدوير الشعارات القديمة.
القضية الفلسطينية ليست متحفًا ثوريًا، بل مشروع تحرر حي يفترض أن يتجدد باستمرار.
ومن هنا يصبح قانون الأحزاب الفلسطيني المتوقع اختبارًا سياسيًا خطيرًا، لا مجرد خطوة إدارية أو قانونية.
فإما أن يكون بداية لإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية على أسس ديمقراطية حديثة، أو يتحول إلى أداة قانونية لتثبيت الطبقة السياسية نفسها وإعادة إنتاج الأزمة بشكل أكثر أناقة.
القوانين وحدها لا تصنع الديمقراطية.
يمكن لأي فصيل أن يكتب أجمل اللوائح الداخلية، ثم يقتلها عمليًا عبر ثقافة الطاعة، واحتكار القرار، وتوريث النفوذ التنظيمي.
ولهذا فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من الداخل، عبر خطوات واضحة وصريحة:
أولًا، فرض سقف زمني للقيادات داخل جميع الفصائل، لأن الحركة التي لا تعرف تداول القيادة تتحول تدريجيًا إلى ملكية سياسية مقنعة.
ثانيًا، إجراء انتخابات داخلية حقيقية ودورية وشفافة، لا مؤتمرات شكلية تُعرف نتائجها مسبقًا.
ثالثًا، نقل الشباب من هامش الصورة إلى مركز القرار، لأن جيلًا يقود الشارع ويواجه الاحتلال ويصنع الرواية الفلسطينية عالميًا، لا يجوز أن يبقى مجرد متفرج داخل تنظيماته.
رابعًا، إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني بلغة المستقبل: الاقتصاد، التكنولوجيا، الإعلام الدولي، بناء المؤسسات، والرواية العالمية، لا الاكتفاء بخطاب تعبوي تقليدي لم يعد قادرًا وحده على صناعة التأثير.
خامسًا، الفصل بين النضال الوطني ومصالح النفوذ التنظيمي، لأن أخطر ما يصيب حركات التحرر أن تتحول إلى شبكات حماية داخلية بدل أن تبقى أدوات تغيير وطني.
الحقيقة القاسية أن الشعب الفلسطيني اليوم يبدو، في كثير من اللحظات، أكثر حيوية وشجاعة من جزء كبير من نظامه السياسي.
الناس تتغير أسرع من الفصائل.
والشارع أحيانًا يسبق القيادات أخلاقيًا وسياسيًا.
وهذا مؤشر خطير جدًا.
فالخطر الحقيقي على القضية الفلسطينية لم يعد فقط في قوة الاحتلال، بل في احتمال أن يفقد الفلسطينيون أنفسهم ثقتهم بقدرة نظامهم السياسي على تمثيل المستقبل.
وحين تفقد التنظيمات قدرتها على التطور، يبدأ الناس بالبحث عن بدائل خارجها، وعندها تدخل القضية الوطنية كلها في منطقة فراغ خطيرة.
في النهاية، لا يمكن مواجهة مشروع استعماري متجدد بعقل سياسي متعب.
ولا يمكن لشعب يواجه واحدة من أعقد حركات الاستعمار في العالم أن يبقى أسير بنى تنظيمية تخاف من التجديد أكثر مما تخاف من الفشل.
التاريخ لا يحترم التنظيمات التي تعيش على أمجادها فقط.
إما أن تعيد الفصائل الفلسطينية اكتشاف نفسها، وتفتح أبوابها لجيل جديد يمتلك أدوات العصر وشجاعة المراجعة، أو ستتحول تدريجيًا إلى جزء من الذاكرة الوطنية… لا من صناعة المستقبل.
والشعوب، مهما صبرت، لا تنتظر إلى الأبد.
م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.



