الجامعة الفلسطينية بين المقاومة والسوق حين تتحول المعرفة من مشروع تحرر إلى سلعة أقساط

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر

في فلسطين، لم تكن الجامعة يومًا مجرد مبنى أكاديمي أو قاعات محاضرات.
كانت جزءًا من الرواية الوطنية نفسها.
من الجامعة خرجت الهتافات الأولى، والبيانات الأولى، والمثقفون، والأسرى، والشهداء، والقادة، وحتى الحالمون الذين آمنوا أن المعرفة شكل من أشكال المقاومة.

لكن السؤال الصادم اليوم هو:
هل ما زالت الجامعة الفلسطينية تحمل هذا المعنى فعلًا؟
أم أنها انزلقت بهدوء من “فضاء للتحرر” إلى “سوق تعليم كبير” تُباع فيه الشهادات بالأقساط، ويُقاس فيه الطالب بقدرته على الدفع لا بقدرته على التفكير؟

الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من الجامعات الفلسطينية لم تعد تنتج عقلًا نقديًا بقدر ما تنتج زبائن أكاديميين.
لغة السوق تسللت إلى كل شيء:
التخصص يُفتح بناءً على الطلب التجاري، لا الحاجة الوطنية.
والطالب يُعامل أحيانًا كرقم مالي أكثر منه مشروع إنسان أو وعي.

حتى الخطاب الجامعي نفسه تغير.
قديمًا كانت الجامعات تتحدث عن التحرر، والهوية، والوعي، ودور المثقف.
اليوم تتحدث أكثر عن “التنافسية”، و”سوق العمل”، و”الريادة”، و”التصنيف العالمي”، وكأن الجامعة تحاول أن تتكيف مع اقتصاد هش أكثر مما تحاول أن تصنع مجتمعًا حرًا.

لا أحد يرفض التطور أو التكنولوجيا أو الاقتصاد، لكن الكارثة تبدأ عندما تتحول الجامعة من مؤسسة تُنتج الأسئلة الكبرى إلى مؤسسة تُدرّب الطلبة فقط على النجاة الفردية.

الطالب الفلسطيني يدخل الجامعة وهو مثقل أصلًا بالخوف:
خوف اقتصادي، وخوف سياسي، وخوف من البطالة، وخوف من المستقبل.
ثم يكتشف سريعًا أن الجامعة نفسها تعيش الأزمة ذاتها:
أقساط مرتفعة، ديون متراكمة، ضغط مالي، ومنافسة على البقاء.

وهنا يبدأ التحول الخطير:
بدل أن تقود الجامعة المجتمع، تصبح أسيرة له.
وبدل أن تواجه التشوهات الاقتصادية والسياسية، تبدأ بالتكيف معها.

لهذا اختفت أشياء كثيرة بهدوء:

تراجع النقاش الفكري الحقيقي.

ضعفت الحركة الثقافية.

اختفت المناظرات والقراءات العامة والمساحات الحرة.

وأصبح كثير من الطلبة يذهبون إلى الجامعة كما يذهب الموظف إلى دوام إجباري، لا كما يذهب الإنسان إلى مساحة لاكتشاف ذاته والعالم.

حتى النشاط الطلابي نفسه أصابه التشوه.
في كثير من الأحيان تحول من فعل سياسي وفكري إلى استعراض تنظيمي أو معركة نفوذ أو موسم انتخابي عابر، بينما تتراجع القضايا العميقة المتعلقة بالتعليم والحرية والهوية والوعي.

والأخطر أن الجامعة الفلسطينية بدأت تخسر أخطر ما كانت تملكه:
قدرتها على إنتاج “المثقف الفلسطيني”.

ذلك الإنسان الذي يفهم السياسة دون أن يتحول إلى أداة،
ويفهم الاقتصاد دون أن يبيع روحه للسوق،
ويؤمن بالمقاومة بوصفها وعيًا وحضورًا ومعرفة، لا مجرد شعار موسمي.

اليوم هناك آلاف الخريجين، لكن السؤال الحقيقي:
كم منهم خرج وهو يملك مشروعًا فكريًا أو رؤية أو قدرة على النقد أو حتى حلمًا جماعيًا؟

في كثير من الأحيان، يخرج الطالب بشهادة… وبارتباك وجودي كبير.
يعرف تخصصه، لكنه لا يعرف مكانه في هذا العالم.
يحمل ملف تخرج، لكنه لا يحمل فكرة واضحة عن الوطن الذي يفترض أن يساهم في بنائه.

الاحتلال يفهم جيدًا خطورة الجامعة الحرة، ولهذا يستهدفها دائمًا:
بالاقتحام، والاعتقال، وملاحقة الحركة الطلابية، ومحاولة تفكيك الوعي الوطني.
لكن الخطير فعلًا أن بعض الجامعات بدأت تُفرغ نفسها بنفسها من مضمونها التحرري، تحت ضغط المال والسوق والبقاء الإداري.

وهنا تصبح الكارثة مضاعفة:
جامعة لا تستطيع أن تتحرر من الاحتلال بالكامل، ولا من السوق بالكامل أيضًا.

الجامعة الفلسطينية لا تحتاج فقط إلى تمويل… بل إلى استعادة معناها.
تحتاج أن تتذكر أنها ليست شركة تعليمية، وليست مركز تدريب مهني ضخم، وليست ماكينة تخريج جماعي.

إنها آخر المساحات التي يفترض أن يُصنع فيها العقل الفلسطيني الحر.

فإذا خسرت الجامعة دورها الفكري والوطني،
لن نخسر مؤسسة تعليمية فقط…
بل سنخسر تدريجيًا القدرة على إنتاج الإنسان الفلسطيني القادر على مقاومة المحو، لا بالسلاح وحده، بل بالوعي أيضًا.

وحين تتحول الجامعة إلى سوق بلا روح،
يصبح أخطر ما يمكن أن نخسره ليس الطالب…
بل فكرة فلسطين نفسها داخل عقل الطالب.

م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

زر الذهاب إلى الأعلى