حين تتحول السياسة إلى مهنة للتملّق

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر
في اللحظات الوطنية الصعبة، تظهر المعادن الحقيقية للناس.
هناك من يقترب أكثر من وجع الشارع، وهناك من يقترب أكثر من أبواب النفوذ.
وهناك دائمًا تلك الفئة التي لا تؤمن إلا بلعبة التوازنات، فتغيّر خطابها ومواقفها بسرعة مذهلة، لا وفقًا لمصلحة الوطن، بل وفقًا لاتجاه الريح داخل القاعات المغلقة.
ومع كل استحقاق تنظيمي أو سياسي، يخرج علينا موسمٌ كامل من “الخبراء” و”الحكماء” و”المنظرين” الذين يكتشفون فجأة فضائل الصمت، وعبقرية التبرير، وقدسية الاصطفاف خلف القوة.
وجوه لا تُرى في لحظات المواجهة الحقيقية، ولا تُعرف لها مواقف واضحة عندما يتعلق الأمر بالفقر أو القمع أو الاستيطان أو معاناة الناس، لكنها تتحول فجأة إلى حراسٍ للشرعية ومفسرين للوطنية عندما تقترب معارك المواقع والمصالح.
المشكلة ليست في الاختلاف السياسي، فالاختلاف طبيعي وصحي، بل في ثقافة التملّق التي بدأت تتحول إلى أسلوب حياة داخل بعض البيئات السياسية والثقافية.
حين يصبح الصعود مرتبطًا بقدرتك على التصفيق أكثر من قدرتك على قول الحقيقة، فإن السياسة تفقد معناها الأخلاقي، وتتحول إلى سوق علاقات عامة مفتوح، تُباع فيه المواقف، ويُكافأ فيه الأكثر مهارة في إعادة تدوير الكلمات بحسب مزاج المرحلة.
الأخطر من السياسي الوصولي، هو المثقف الذي يبيع لغته لتبرير كل شيء.
فحين تتحول الأقلام إلى أدوات تلميع، يفقد الناس ثقتهم ليس بالسياسة فقط، بل بالكلمة نفسها.
والمثقف الذي كان يُفترض أن يكون ضمير المجتمع، يتحول عند بعضهم إلى موظف علاقات عامة يرتدي ثوب الأكاديمية، ويغرق النصوص بالمصطلحات القانونية والفلسفية ليمنح الانحياز شكلًا نظريًا أنيقًا، وكأن اللغة لم تعد وسيلة لكشف الحقيقة بل لإخفائها.
وفي لحظة يعيش فيها الفلسطيني حالة إنهاك تاريخي؛ اقتصاد ينهار، واستيطان يتمدد، وثقة عامة تتآكل، يصبح أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل النقد إلى تهمة، والتصفيق إلى معيار للوطنية.
فالناس لم تعد تطلب خطابات بطولية، بل تريد فقط أن تشعر أن هناك من يرى معاناتها قبل أن يرى مصلحته الشخصية.
لكن ما يحدث أحيانًا يوحي بأن بعض النخب السياسية والثقافية تعيش في عالم منفصل تمامًا عن الشارع.
عالم تُقاس فيه الوطنية بمدى القرب من مراكز القرار، ويُصنف فيه الصامت حكيمًا، والمتملق واقعيًا، أما من يرفع صوته بالحقيقة فيُتهم دائمًا بأنه مشاغب أو حاقد أو خارج عن الصف.
الفلسطيني الذي يقف ساعات على الحاجز، أو ينتظر راتبًا قد لا يأتي، أو يرى المستوطنة تتمدد قرب بيته، لا يعنيه كثيرًا عدد البيانات والخطب والمصطلحات الثقيلة.
ما يعنيه هو:
هل ما زال هناك من يتحدث باسمه فعلًا؟
أم أن السياسة تحولت إلى نادٍ مغلق لإعادة توزيع النفوذ وتبادل الأدوار؟
المؤتمرات والاستحقاقات التنظيمية يفترض أن تكون لحظة مراجعة وتجديد ومحاسبة، لا مناسبة لإعادة إنتاج نفس الطبقة السياسية بخطابات جديدة ووجوه أكثر أناقة أمام الكاميرات.
فالوطن لا يحتاج مزيدًا من محترفي التبرير، بل يحتاج شخصيات تمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء قبل الحديث عن الإنجازات.
لقد تعب الناس من مشهد الذين يقفزون من مركب إلى آخر، ويبدلون مواقفهم مع تبدل موازين القوى، ثم يتحدثون باسم الحكمة والوطنية وكأنهم أوصياء على الحقيقة.
فالوطني الحقيقي لا يُعرف في الولائم السياسية ولا في الصور الرسمية، بل في لحظات الخطر، ولا يُقاس قربه من أصحاب النفوذ، بل قربه من وجع الناس.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي قضية وطنية ليس فقط ضغط العدو، بل أن تتحول بعض نخبها إلى طبقة مغلقة تخاف من النقد أكثر مما تخاف على الوطن نفسه.
فالقضايا العادلة لا تسقط فقط تحت الاحتلال، بل تسقط أيضًا عندما تصبح الحقيقة عبئًا، ويصبح التملّق مهارة سياسية، وتتحول الأقلام التي وُجدت للدفاع عن الناس إلى أبواقٍ في بلاط السلطة.
م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.




