من بيروت إلى بكين… كيف ينظر العرب إلى لقاء شي جين بينغ ودونالد ترامب؟

اجنادين نيوز / ANN

بقلم وارف قميحة، رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث، رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

في بكين، يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأميركي دونالد ترامب في واحدة من أكثر المحطات الدبلوماسية والاقتصادية متابعة على الساحة الدولية هذا العام. غير أن الاهتمام بهذا الحدث يتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين الصين والولايات المتحدة. ففي المنطقة العربية، حيث ما تزال تداعيات الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية حاضرة بقوة، يُنظر إلى أي تقارب أو تفاهم بين القوتين الكبريين باعتباره عاملًا يمكن أن ينعكس مباشرة على الاستقرار العالمي، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة، وفرص التنمية وإعادة الإعمار في العديد من دول المنطقة.
ومن هنا، لا يبدو اللقاء المرتقب مجرد محطة بروتوكولية أو مناسبة سياسية عابرة، بل اختبارًا لقدرة القوى الكبرى على إدارة التنافس ضمن أطر تمنع الانزلاق نحو مزيد من الانقسام والصدام. فالعالم يمر اليوم بمرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها تحديات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والأمن، في وقت باتت فيه الأزمات أكثر ترابطًا وتأثيرًا على مختلف الدول، بما فيها تلك البعيدة جغرافيًا عن مراكز القرار الدولي.
في العالم العربي، هناك إدراك متزايد بأن الاستقرار الدولي لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة اقتصادية وإنسانية أيضًا. ولذلك يُتابَع لقاء بكين باهتمام لا يقتصر على قراءة نتائجه السياسية المباشرة، بل يمتد إلى ما قد يحمله من مؤشرات حول شكل العلاقات الدولية في المرحلة المقبلة، وحول ما إذا كانت القوى الكبرى قادرة على إبقاء التنافس ضمن حدود يمكن التحكم بها.
ولعل ما يمنح هذا اللقاء بعدًا خاصًا أنه يعيد إلى الواجهة تجربة التواصل المباشر التي حاول الرئيسان بناءها خلال الولاية الأولى لترامب. فما تزال الذاكرة تحتفظ بمشاهد زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى منتجع مارالاغو عام 2017، ثم زيارة ترامب إلى بكين في العام نفسه، حين اصطحبه الرئيس الصيني داخل المدينة المحرمة في مشهد حمل أبعادًا سياسية وثقافية عكست جانبًا من الفلسفة الصينية القائمة على البحث عن التوازن وإدارة الخلافات دون دفع العلاقات نحو القطيعة الكاملة.
في تلك الزيارة، لم يكن اختيار المدينة المحرمة تفصيلًا بروتوكوليًا فقط، بل حمل دلالات مرتبطة بفكرة “الانسجام” المتجذرة في الثقافة الصينية، وهي فكرة تقوم على السعي إلى التوازن وتجنب تحويل الاختلافات إلى صراعات مفتوحة. ولهذا السبب بقيت العبارة التي قالها الرئيس شي آنذاك حاضرة في الذاكرة السياسية: “هناك ألف سبب لإنجاح العلاقات الصينية الأميركية، وليس هناك سبب واحد لتخريبها.” بالنسبة لكثيرين في المنطقة العربية، تعكس هذه العبارة مقاربة تقوم على إدارة التنافس بدل تحويله إلى مواجهة شاملة تهدد الاستقرار العالمي.
هذا النوع من الخطاب يجد صداه في العالم العربي، خصوصًا لدى دول تسعى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية بعيدًا عن منطق المحاور المغلقة أو الاستقطاب الحاد. فالكثير من الدول العربية ترتبط اليوم بعلاقات اقتصادية متنامية مع الصين في مجالات التجارة والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، وفي الوقت نفسه ما تزال جزءًا من النظام المالي والتجاري العالمي المرتبط بالولايات المتحدة والغرب. لذلك، فإن أي توتر حاد بين بكين وواشنطن ينعكس بصورة مباشرة على المنطقة، كما أن أي تهدئة أو تفاهم يفتح بدوره مساحة يحتاجها الجميع للاستقرار الاقتصادي والسياسي.
ومن هنا تبرز أهمية طبيعة الوفد الأميركي المرافق للرئيس ترامب، والذي يضم شخصيات تمثل كبرى الشركات العالمية في مجالات التكنولوجيا والطيران والطاقة والتمويل وأشباه الموصلات وأنظمة الدفع الدولية. فوجود هذا الحجم من القيادات الاقتصادية في بكين لا يحمل فقط بعدًا تجاريًا، بل يكشف أيضًا أن الاقتصاد العالمي، رغم كل التوترات السياسية، ما يزال قائمًا على درجة عالية من الترابط والتداخل بين القوى الكبرى.فحين ترافق شركات بهذا الحجم رئيس الولايات المتحدة إلى الصين، تصبح الرسالة أوضح من كثير من الخطابات السياسية: المنافسة بين بكين وواشنطن حقيقية، لكنها لا تلغي حقيقة أن الاقتصاد العالمي ما يزال يرى في الصين شريكًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه بسهولة، سواء في سلاسل الإنتاج أو الأسواق أو التكنولوجيا أو الاستثمار.
وفي الواقع، فإن الاهتمام العربي بهذا اللقاء لا يرتبط فقط بالاقتصاد أو التجارة، بل يمتد أيضًا إلى النقاش الأوسع المتعلق بمستقبل الحوكمة العالمية. فهناك شعور متزايد في كثير من دول الجنوب العالمي بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة، يقوم على الحوار والاحترام المتبادل والتعاون المشترك بدلًا من سياسات الضغوط أو عقلية المواجهة الصفرية.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث بصورة متزايدة عن أهمية بناء “مجتمع المصير المشترك للبشرية”، وهي الفكرة التي باتت تحضر بشكل متنامٍ في النقاشات الدولية المرتبطة بالتعاون العالمي والتنمية والاستقرار. فالتحديات التي تواجه العالم اليوم، من الأزمات الاقتصادية إلى الطاقة والتغير المناخي والأمن الغذائي، لم تعد قضايا يمكن لأي دولة معالجتها منفردة، مهما بلغت قوتها.
ومن هنا، تبدو الحاجة أكبر إلى تطوير منظومة أكثر توازنًا للحوكمة العالمية، تسمح بإدارة الخلافات ضمن أطر تحافظ على الاستقرار وتفتح المجال أمام التنمية المشتركة بدل دفع العالم نحو مزيد من الانقسامات والاستنزاف.
وفي الثقافة الصينية مثل معروف يقول: “أليس من دواعي السرور أن يأتيك صديق من مكان بعيد.” لكن العلاقات بين الدول لا تُبنى على المجاملات وحدها، بل على حسن النية، والاحترام المتبادل، والالتزام بالمصالح المشتركة، والقدرة على تحويل التنافس إلى مساحة لإدارة الاختلاف لا إلى مصدر دائم للصراع.
ومن المنطقة العربية، حيث يعرف الناس أكثر من غيرهم كلفة الحروب والانقسامات الدولية، تبقى الآمال معلقة على أن يحمل لقاء بكين رسالة هادئة للعالم: أن الحوار ما يزال ممكنًا، وأن إدارة التنافس بين القوى الكبرى بعقلانية ومسؤولية تبقى الطريق الأكثر أمانًا نحو مستقبل أكثر استقرارًا وتوازنًا للبشرية جمعاء.
ملاحظة المحرر: يعكس هذا المقال وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس بالضرورة رأي قناة CGTN العربية. #ChinaUS #الرؤية_العالمية

زر الذهاب إلى الأعلى