من سطوة الكهانة إلى آفاق العقلانية

اجنادين نيوز / ANN

المفكر التنويري فرقد الأغا

يبدأ الوعي التحرري بإدراك حقيقة مركزية مفادها أن الكاهن يمثل الكيان الأكثر خطورة على مسيرة الإنسانية وتطورها المعرفي، فخطورة هذا النمط لا تكمن في الجهل المحض، بل في قدرته على تحويل التلاعب بالعقول والمفاهيم إلى منهج حياة ومشروع للاستئكال المادي والمعنوي. يقوم هذا النمط من التضليل على صناعة أصنام ذهنية تحجب الحقيقة وتُعطل العقل النقدي، الأمر الذي يجعل تفكيكه ضرورة معرفية ملحّة في مواجهة الزيف الممنهج.
استناداً إلى الإشكالية المطروحة، يأتي هذا التحليل لفحص أنماط الاستدلال التي تروّج لها الخطابات الدينية اللائذة وراء الفلسفة التقليدية، في محاولة لدعم يقينياتها المسبقة وإعادة إنتاج تصورات فلسفية تنتمي إلى المدرستين السينوية والصدرائية، فهذه الخطابات لا تنطلق من غاية تحرّي الحقيقة بنزاهة وموضوعية، بقدر ما تسعى إلى الانتصار لموروثها المقدس وإعادة شرعنته معرفياً.
وعلى الرغم من الهالة الميتافيزيقية التي تُحيط بهذه التصورات، فإنها تعجز عن الصمود أمام المعطيات العلمية الحديثة والتحولات العميقة في فلسفة العقل، إذ تكمن الإشكالية الجوهرية في محاولتها فرض رؤية تجريدية مفارقة للواقع، تتجاهل ما أثبته العلم المعاصر من أن الوعي ليس كياناً هلامياً منفصلاً عن المادة، بل بنية مادية وظيفية بالغة التعقيد تتشكل ضمن التفاعلات الفيزيائية والعصبية للكائن الحي.
ولكشف أوجه القصور في هذه البنية الحجاجية، يعتمد هذا النقد على مسارات تحليلية تدمج بين مكتشفات علم الأعصاب وصرامة المنطق الصوري، وصولاً إلى رؤية عقلانية شاملة. فالغاية ليست الجدل المجرد، بل رسم حدود فاصلة بين البناء العلمي القائم على التجريب والتحقق وبين الاستحسانات العقلية التي تُقدم بوصفها حقائق مطلقة. وهكذا يتحول النقد إلى فعل تنويري يعيد الاعتبار للعقل في مواجهة أوهام التجريد والميتافيزيقيا التقليدية.
لم يعد العلم الحديث ينظر إلى المعلومة بوصفها كياناً هائماً يحتاج إلى وعاء مادي، بل باعتبارها حالة مادية داخل نظام معقد. وتكمن المغالطة الأساسية في الخطاب التقليدي في حصر المادة ضمن صورها البدائية كالصلب والسائل والغاز، مع تجاهل مستويات أعمق تشمل الطاقة والأنظمة المعلوماتية والبنى العصبية المعقدة.
فالعلم ليس شيئاً يُصب في الدماغ، بل عملية إعادة تشكيل للتوصيلات الكهربائية والكيميائية بين الخلايا العصبية. والذاكرة ليست مخزوناً مجرداً، وإنما مسارات بروتينية وتغيرات في جهد الغشاء الخلوي. وبالمقابل فإن المعلومات في الأقراص الصلبة ليست مادة تُضاف إلى الجهاز، بل ترتيب دقيق للمجالات المغناطيسية داخل بنية مادية. أي إن المعلومات ليست شيئاً فوق المادة، بل نمط تنظيم للمادة والطاقة ذاتها.
ومن ثم فإن العلم مادي بامتياز من حيث المنشأ والتخزين والتفعيل، حتى وإن لم يظهر في صورة جسمية محسوسة.
ويقع الخطاب التقليدي في مغالطة الفئة حين يقيس المعاني الذهنية على الأجسام الميكانيكية، فيفترض أن ما لا يُرى أو لا يُلمس كجسم صلب هو بالضرورة غير مادي، من هذا جاء استدلال رجل الدين بأن المعلومة لا تحتاج إلى صهريج مادي ليستنتج تجردها، وهو استدلال يفتقر إلى الصحة المنطقية.
ذلك أن هذا القياس مع الفارق لأن المادة ليست نمطاً واحداً، بل تتدرج إلى مادة كتلية وطاقة ونظم معلوماتية. كما أن عدم إدراك الظواهر بالعين المجردة لا ينفي ماديتها، فالموجات الكهرومغناطيسية والجاذبية موجودات مادية رغم أنها لا تُدرك بالحس الكلاسيكي ولا تشغل حيزاً صلباً.
ويرتكز الخطاب الكلاسيكي أيضاً على قاعدة السنخية القائلة إن المجرد لا يستقر إلا في مجرد، وهي قاعدة فلسفية افتراضية وليست ضرورة منطقية. فلا يوجد برهان عقلي يمنع المادة المعقدة كالدماغ من إنتاج التجريد أو استيعاب المفاهيم الكلية.
إن القول بأن الوعاء يجب أن يكون مجرداً لأن المحتوى مجرد، ليس سوى مصادرة على المطلوب، لأنه يفترض النتيجة مسبقاً في حين يثبت الواقع التجريبي أن أي خلل مادي بسيط في الدماغ يؤدي إلى فقدان المعرفة أو اضطرابها، الأمر الذي يؤكد الارتباط الوجودي العضوي بين الوعي والبنية المادية.
ويقع الفكر التقليدي كذلك في تهافت تجريدي حين يصنع مفهوماً مركباً كالنفس المجردة لحل مشكلة تفسير الإدراك بدلاً من تحليلها ضمن بنيتها العصبية المادية، وهكذا يتم اختراع كيان ميتافيزيقي لتفسير ظاهرة طبيعية عجزت الأدوات المفاهيمية القديمة عن فهمها.
فالدماغ البشري يمثل ذروة تعقيد المادة وقدرته على التعقل ليست دليلاً على انفصال النفس، إنما نتيجة مباشرة لهذا التعقيد البنيوي، ومن ثم فإن فكرة النفس المنفصلة تمثل تضخيماً تفسيرياً لا ضرورة له، بل إعادة إنتاج للمشكلة المعرفية بدلاً من حلها.
ويقع الخطاب التقليدي في سلسلة مترابطة من المغالطات التي تتداخل فيما بينها لتنتج تصوراً غير دقيق لطبيعة المادة والمعرفة. يبدأ هذا الخلل من مغالطة الفئة، حيث تُسقط خصائص الأجسام الصلبة على جميع أشكال المادة، وكأن المادة لا تكون إلا شيئاً كثيفاً قابلاً للإدراك الحسي المباشر.
ويقود هذا التحديد الضيق إلى تبسيط مخل لمفهوم المادة، إذ تُحصر في صورها البدائية مع إهمال مستويات أكثر تعقيداً مثل الطاقة والأنظمة المعلوماتية والبنى العصبية، ومن هذا التصور المحدود تنشأ مغالطة أخرى تتمثل في القياس غير الصحيح، حيث يُفترض أن غياب الشكل المرئي أو عدم الإدراك الحسي المباشر يعني بالضرورة غياب الوجود المادي.
غير أن كثيراً من الظواهر الفيزيائية، كالموجات الكهرومغناطيسية والجاذبية تمتلك وجوداً مادياً واضحاً رغم أنها لا تُدرك بالحس المباشر ولا تتخذ شكلاً صلباً. ويزداد الخلل عمقاً مع سوء فهم طبيعة المعلومات، إذ يتم التعامل معها بوصفها مادة منفصلة تُضاف إلى الوعاء المادي، في حين أنها في حقيقتها ليست شيئاً خارج البنية المادية، بل نمط تنظيم داخلي لها وتشكّل خاص في العلاقات بين مكوناتها.
وحين تتراكم هذه المغالطات معاً، فإنها تقود إلى نتيجة غير صحيحة مفادها أن الوعي أو العلم يجب أن يكونا غير ماديين، بينما هذا الاستنتاج ليس ثمرة تحليل دقيق لطبيعة المادة، بل نتيجة مباشرة لتصورات اختزالية لمفاهيمها ومستوياتها المختلفة.
ويثبت العلم المعاصر أن المعلومات ليست كيانات مستقلة، بل حالات تنظيم داخل أنظمة مادية، فهي ليست موجوداً فوق المادة، بل نمط تشكل داخلها سواء في الدماغ أو في الأنظمة التقنية، فالمعلومات ليست سوى ترتيبات دقيقة لبنى مادية كيميائية وكهربائية ومغناطيسية.
كما أن الذاكرة ليست شيئاً منفصلاً، بل تغيرات قابلة للقياس داخل الشبكات العصبية، تماماً كما أن البيانات في الأقراص الصلبة ليست سوى أنماط مغناطيسية قابلة لإعادة التنظيم.

إن الهدف من هذا التفكيك هو رسم حدود حاسمة بين البناء العلمي القائم على التجريب والتحقق، وبين الاستحسانات الفلسفية التي تُقدم بوصفها حقائق مطلقة، فالمعرفة العلمية تكشف أن الوعي والمعلومة ليسا كيانين مفارقين، إنما أنماطاً مادية شديدة التعقيد.
وبذلك لا يكون النقد مجرد تفنيد للخطاب الديني الذي يستعير الفكر الفلسفي التقليدي، بل استعادة لوظيفة العقل النقدي في تحرير المعرفة من سلطة الكهانة، وإعادة وضع الفلسفة ضمن مسارها التنويري القائم على الفحص لا الافتراض وعلى التحقق لا التجريد.

زر الذهاب إلى الأعلى