ميناء عدن والصين بين الاستراتيجية المؤجلة والحراك الخفي

اجنادين نيوز / ANN
بقلم نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين
قليل من الموانئ في العالم تمتلك ما يمتلكه ميناء عدن. ليس فقط موقعه الجغرافي الفريد على مضيق باب المندب، حيث يمر جزء كبير من التجارة العالمية يومياً، بل قدرته على أن يكون عصباً للتجارة بين الشرق والغرب. هنا، حيث تلتقي آسيا بإفريقيا، ويشق النفط والغاز طريقهما إلى الأسواق، يظل السؤال ملحاً: هل تراه الصين حقاً؟
الإجابة المباشرة: نعم، ولكن بطريقتها الخاصة. والإجابة الأعمق: نعم، والحركة خلف الكواليس أكثر ديناميكية مما يظن كثيرون.
الصين التي تبني نفوذها الاقتصادي بهدوء وجَلَد، لا تتعامل مع الموانئ كأهداف لحظوية، بل كعقد في شبكة تمتد لعقود. مبادرة الحزام والطريق لم تكن مجرد شعار، بل خريطة طريق رسمت عليها بكين مواقع النفوذ. وفي تلك الخريطة احتل ميناء عدن موقعاً لا يمكن تجاهله، إذ يُصنف ضمن الموانئ ذات الأهمية الاستراتيجية في أكثر من دراسة اقتصادية دولية.
حصلت على معلومات تفيد بأن الصين كانت قد خططت بالفعل للاستثمار في عدن، حيث رُصدت عقود بمئات الملايين من الدولارات، لكن الحرب أوقفت التنفيذ. ومع ذلك، لم تغلق بكين الملف. فالحضور الدبلوماسي مستمر، والحوار قائم، وكأن الرسالة واضحة: نحن ننتظر، لكننا لم نغادر.
في السنوات الأخيرة، لم يعد المشهد مجرد انتظار صامت، بل بدأ يأخذ شكل حراك دبلوماسي واقتصادي تدريجي، يربط بين ملفات التنمية وإعادة الإعمار والفرص المستقبلية، حيث يتم الحديث عن تفعيل اتفاقيات التعاون ضمن مبادرة الحزام والطريق، وإعادة تنشيط اللجان الاقتصادية المشتركة، وبحث مشاريع تنموية في قطاعات البنية التحتية والخدمات.
واللافت أن الصين تواصل تقديم مبادرات دعم محدودة لكنها ذات دلالة، باعتبارها إشارات سياسية واقتصادية تؤكد أن اليمن ما زال ضمن دائرة الاهتمام.
لأن المنطقة محكومة باعتبارات استراتيجية كبرى، أهمها موقعها الذي يتحكم في التجارة العالمية، وتزايد التنافس الدولي في البحر الأحمر، وأهمية الطاقة وخطوط الإمداد العالمية. وفي قلب هذه المعادلات يظل باب المندب مركز ثقل لا يمكن تجاوزه، وميناء عدن أحد أهم بواباته.
وتشير التقارير إلى أن مشاريع تطوير ميناء عدن ما زالت في إطارها التمهيدي، ولم تتحول بعد إلى التزامات تنفيذية كبرى. لكن استمرار العلاقات الدبلوماسية، والتعاون في مجالات محدودة، والحضور الصيني المتدرج، كلها تؤكد أن الميناء لم يُستبعد، بل وُضع ضمن ملف طويل الأمد.
في الاخير فإن ميناء عدن ليس خارج الحسابات الصينية بل داخل غرفة الانتظار الاستراتيجية. والصين لا تتسرع، لكنها لا تنسى، فهي تقرأ الجغرافيا على مقياس العقود لا اللحظة.
ويبقى السؤال الحقيقي ليس: هل تحسب الصين حسابها لعدن؟
بل: هل تمتلك عدن شروط التحول من ميناء تاريخي إلى مركز اقتصادي عالمي في اللحظة التي تتحرك فيها الخرائط الكبرى من جديد؟
فالجغرافيا لا تتغير، لكن من يحسن قراءتها هو من يصنع المستقبل.



