في زمن فردية الغرب هل تقدم الصين تصورا مختلفا للإنسان داخل الدولة

اجنادين نيوز / ANN

بقلم / نجيب الكمالي – رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين “أصدقاء وحلفاء الصين”

في زمن تتصاعد فيه الأزمات الاجتماعية داخل الغرب وأمريكا وتفضح فيه الفردية المطلقة وهم “الإنسان المعزول في سوق مفتوح” تبرز التجربة الصينية كنموذج تنموي بديل يستحق الإشادة والتأمل العميق. فالصين لم تبن نهضتها على ترك الفرد فريسة لقوانين السوق الجارحة بل على مبدأ أساسي هو أن الإنسان لا يزدهر بمعزل عن مجتمعه وأن الحرية الحقيقية تبدأ بتأمين الحقوق الأساسية مثل التعليم والصحة والسكن والعمل الكريم.

في أمريكا وأوروبا أدى التقديس المطلق للفردية والاعتماد على آليات السوق وحدها إلى نتائج مريرة، منها تفكك الروابط الاجتماعية وتفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء وانتشار الاغتراب والعنف والإدمان. المجتمع الغربي اليوم يدفع ثمن فلسفة وضعت المنافسة مكان التضامن وجعلت النجاح المادي هو المقياس الوحيد لقيمة الإنسان. تلك الفلسفة تركت ملايين البشر يتخبطون في متاهات السوق دون شبكة أمان حقيقية، ليثبت الزمن أن “الفرد الحر” في ذلك السياق ليس سوى وهم يخفي واقعاً من العزلة القاسية.

على النقيض من ذلك تقدم الصين نموذجاً مختلفاً تضع فيه الإنسان داخل مشروع دولة وتنمية جماعية. إنها مقاربة ترى أن الدولة ليست خصماً للإنسان بل حاضنة لمشروعه الفردي ضمن مشروع وطني طموح. لقد أثبتت الصين على أرض الواقع أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بمعزل عن تخطيط جماعي واع، وأن ازدهار الفرد لا يمكن فصله عن ازدهار مجتمعه. من القضاء على الفقر المدقع لرفع مئات الملايين إلى مصاف الطبقة المتوسطة إلى بناء بنية تحتية متطورة تصل إلى أقصى المناطق النائية، تثبت التجربة الصينية أن الإنسان هو محور التنمية وغايتها.

هذا النموذج لا يعني إلغاء الفرد أو إذابة حريته في الجماعة بل تحرره حقيقة من وهم الاستقلال المطلق الذي ينتهي به غالباً إلى عزلة قاسية. في الصين النجاح ليس رحلة انفرادية بل مسيرة جماعية، والحرية لا تعني الترك في السوق بلا ضوابط بل تعني التمكين ضمن مشروع دولة عادلة توفر للجميع فرصاً متكافئة للحياة الكريمة.

لقد آن الأوان لأن ينتبه العالم إلى هذا الدرس الصيني، لا بدافع أيديولوجي بل لأن الحقائق على الأرض تتحدث بصوت عال: النموذج الذي يضع الإنسان في صميم مشروع الدولة والتنمية الجماعية هو الأقدر على تحقيق الاستقرار الاجتماعي والعدالة الحقيقية. الإشادة بهذا النموذج ليست مجاملة بل اعتراف بحقيقة أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وأن أفضل بيئة لنموه هي تلك التي تجعله جزءاً من كل أكبر، لا وحيداً في ساحة السوق المفتوح.

زر الذهاب إلى الأعلى