جيل ما بعد القضية حين لم تعد فلسطين حلمًا… بل اختبار نجاة يومي

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر

في المقاهي الفلسطينية اليوم، يتحدث كثير من الشباب عن المنح الدراسية أكثر مما يتحدثون عن السياسة، وعن فرص الهجرة أكثر مما يتحدثون عن العودة، وعن العملة الرقمية والعمل عن بُعد أكثر مما يتحدثون عن بيانات الفصائل.

هذه ليست مبالغة.

ولا خيانة.

ولا سقوطًا وطنيًا كما يحاول البعض تصويره.

هذه ببساطة نتيجة طبيعية لجيل وُلد داخل واقع مختلف تمامًا عن ذلك الذي عاشه آباؤه وأجداده.
الجيل القديم عاش على فكرة “التحرير”.
أما الجيل الجديد، فهو يعيش على فكرة “النجاة”.

وهناك فرق هائل بين شعب يحلم بالنصر، وشعب يحاول فقط أن يحافظ على توازنه النفسي حتى نهاية اليوم.

هذا الجيل لم يعش زمن الثورة الفلسطينية الكبرى، ولا صعود المشروع الوطني، ولا لحظة الأمل العربي، ولا حتى وهم التسوية السياسية في بداياتها. بل وُلد في زمن الانقسام، وكبر وسط البطالة، وفتح عينيه على الحواجز والأزمات والاقتتال الداخلي والخطابات المكررة.

الجيل الذي وُلد بعد اتفاق أوسلو لم يرَ من “عملية السلام” سوى الجدار، والحواجز، والتنسيق الأمني، والانقسام، وتآكل الثقة بكل شيء.

ولهذا، فإن كثيرًا من الشباب الفلسطيني اليوم لا يسأل: كيف سنحرر فلسطين؟
بل يسأل: كيف سأجد فرصة عمل؟
كيف أؤمن مستقبلي؟
كيف أهاجر؟
كيف أعيش حياة طبيعية مثل بقية البشر؟

المشكلة أن بعض النخب السياسية ما زالت تتعامل مع هذه الأسئلة وكأنها انحراف أخلاقي أو ضعف وطني، بينما الحقيقة أكثر قسوة بكثير.

لا يمكن أن تطلب من جيل كامل أن يعيش بعاطفة ثورية دائمة، بينما هو يرى يوميًا أن الواقع لا يتحرك إلى الأمام.

الشباب الفلسطيني اليوم يرى التناقضات كلها بوضوح حاد:

يسمع عن “الصمود”، لكنه يرى الفساد.

يسمع عن “الوحدة الوطنية”، لكنه يعيش الانقسام.

يسمع عن “التضحية”، لكنه يرى طبقات سياسية لا تدفع ثمن الفشل.

يسمع عن “المشروع الوطني”، لكنه لا يرى مشروعًا أصلًا.

ثم نتفاجأ عندما يصبح حلم الهجرة أقوى من حلم البقاء.

الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أن القضية الفلسطينية بدأت تخسر علاقتها النفسية بالأجيال الجديدة، لا لأن هذه الأجيال بلا انتماء، بل لأنها مرهقة إلى حد غير مسبوق.

هذا الجيل يعيش داخل عالم مختلف تمامًا عن العالم الذي أنتج الخطاب الفلسطيني التقليدي.
جيل “تيك توك” و”إنستغرام” يرى العالم كل يوم بضغطة إصبع. يرى كيف يعيش الآخرون، وكيف تتحرك الدول، وكيف تُبنى الفرص، ثم يعود إلى واقعه المحلي المليء بالانتظار والجمود والتكرار.

في الماضي، كان الفلسطيني يقارن نفسه بالمخيم المجاور.
أما اليوم، فهو يقارن حياته بالعالم كله.

وهنا تحديدًا وُلدت الفجوة النفسية الكبرى.

فالخطاب السياسي الفلسطيني بقي يتحدث بلغة السبعينات، بينما الجيل الجديد يعيش داخل عالم سريع، فردي، رقمي، قاسٍ، لا يعترف بالشعارات الطويلة ولا يصبر على البيانات الخشبية.
لهذا لم يعد كثير من الشباب يثق بالكلمات الكبيرة.
لقد استُهلكت الكلمات أكثر مما يجب.
الحرية.
الوحدة.
الصمود.
الكرامة.
التحرير.
كلها كلمات عظيمة، لكنها بالنسبة لكثيرين فقدت معناها العملي حين لم تعد مرتبطة بخطة واضحة أو أفق حقيقي.

وهنا يجب أن نكون صريحين جدًا: لا توجد قضية وطنية تستطيع البقاء حيّة فقط عبر الذاكرة والعاطفة التاريخية. أي قضية تحتاج إلى أمل، وإلى شعور بأن التضحيات تقود إلى مكان ما.

أما حين يتحول النضال إلى حالة انتظار مفتوحة، فإن الناس تبدأ تدريجيًا بالانسحاب النفسي حتى لو بقيت داخل الوطن.

ومع ذلك، فإن الخطأ الأكبر هو اتهام هذا الجيل باللامبالاة.
هذا الجيل ليس أقل وطنية.
بل ربما أكثر صدقًا من الجميع.
لأنه ببساطة لم يعد يجامل أحدًا.

هو يرى الحقيقة كما هي:

شعب متعب.

ونظام سياسي مأزوم.

وعالم لا يكترث كثيرًا.

ومستقبل ضبابي.

وقضية عظيمة تُدار أحيانًا بعقلية قديمة جدًا.

ومع ذلك، ما زال هذا الجيل يحاول أن يعيش، وأن يبني نفسه، وأن يتمسك بالحياة وسط كل هذا الركام.
وربما هنا تكمن الفرصة الأخيرة.

فالأجيال الجديدة لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات العاطفية، بل إلى مشروع وطني حقيقي يشعرها أن فلسطين ليست فقط ذاكرة حزينة، بل مستقبل يستحق أن يُعاش من أجله.

لأن الشعوب لا تخسر قضاياها فقط حين تُحتل أراضيها…
بل حين يبدأ أبناؤها بالبحث عن معنى لحياتهم خارجها.

م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية

زر الذهاب إلى الأعلى