حين تتحدث الصين عن فلسطين… فهي لا تتحدث عن الماضي بل عن النظام العالمي القادم

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر – الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين
بينما كانت حاملات الطائرات الأمريكية تجوب البحار، كانت الصين تبني الموانئ، وخطوط السكك الحديدية، وشبكات الطاقة، وتفتح لنفسها طرقًا جديدة نحو العالم.
واشنطن كانت تتحرك بمنطق القوة العسكرية، أما بكين فكانت تتحرك بمنطق النفوذ الهادئ طويل الأمد.
ولهذا، يبدو المشهد العالمي اليوم وكأن القرن الحادي والعشرين لم يعد يُكتب فقط في البيت الأبيض، بل أيضًا في الممرات الاقتصادية الممتدة من بكين إلى آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط.
في هذا التحول الكبير، لا تنظر الصين إلى فلسطين باعتبارها مجرد قضية إنسانية أو نزاع سياسي عابر، بل باعتبارها جزءًا من معركة أكبر تتعلق بشكل النظام الدولي القادم.
فالقضية الفلسطينية، في نظر بكين، ليست مجرد حدود محتلة أو عملية سلام متعثرة، بل اختبار حقيقي لفكرة العدالة الدولية نفسها:
هل تُطبّق القوانين على الجميع؟
وهل يستطيع العالم أن يعيش تحت هيمنة قطب واحد يقرر وحده متى تكون الحروب شرعية، ومتى تصبح الجرائم “حقًا في الدفاع عن النفس”؟
الصين تدرك أن الشرق الأوسط ليس مجرد جغرافيا سياسية، بل شريان اقتصادي حساس يرتبط بالطاقة والتجارة والاستقرار العالمي. ولذلك، فهي لا تريد شرقًا أوسطًا غارقًا في الفوضى الدائمة، لأن الحرائق الممتدة في هذه المنطقة تهدد مباشرة مشروعها الاقتصادي العملاق، خاصة مبادرة الحزام و الطريق
الذي تسعى من خلاله لإعادة رسم طرق التجارة والنفوذ في العالم.
ومن هنا يمكن فهم السلوك الصيني المختلف.
فبكين لا تدخل المنطقة عبر الجيوش، بل عبر الاقتصاد، والبنية التحتية، والاستثمار، والتكنولوجيا، والعلاقات طويلة النفس.
حتى في الملفات السياسية الكبرى، تتحرك الصين بعقلية مختلفة.
فعندما رعت التقارب السعودي الإيراني، لم تكن تبحث فقط عن إنجاز دبلوماسي، بل كانت ترسل رسالة للعالم بأنها تريد أن تتحول من “مصنع العالم” إلى أحد مهندسي التوازنات الدولية الجديدة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز فلسطين كملف شديد الحساسية بالنسبة للصين.
ليس لأن بكين تتحرك بدافع عاطفي، بل لأنها تدرك أن استمرار المأساة الفلسطينية يفضح هشاشة النظام الدولي الحالي، ويكشف ازدواجية المعايير التي تتحدث عنها دول كثيرة بصوت منخفض.
لكن السؤال الأهم هنا ليس: ماذا تريد الصين من فلسطين؟
بل: ماذا يريد الفلسطينيون من الصين؟
حتى اللحظة، ما زال جزء كبير من العقل السياسي الفلسطيني يتعامل مع الصين باعتبارها مجرد داعم سياسي في المحافل الدولية، بينما الحقيقة أن بكين لا تبني شراكاتها على الشعارات، بل على المصالح، والاستقرار، والاقتصاد، والرؤية بعيدة المدى.
الصين لا تسأل كثيرًا عن الخطب السياسية، بل تسأل:
ماذا تستطيع أن تقدم؟
ما الذي يمكن بناؤه؟
وأين توجد الفرص؟
وهنا تكمن المعضلة الفلسطينية الحقيقية.
فنحن نجيد إدارة الخطاب السياسي، لكننا ما زلنا متأخرين في بناء مشروع اقتصادي وطني قادر على جذب العالم لا استعطافه فقط.
نطالب بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكننا لا نناقش بما يكفي كيف يمكن تحويل فلسطين إلى مساحة إنتاج واستثمار وتعليم وتكنولوجيا قادرة على فرض حضورها في العالم الجديد.
ربما آن الأوان للخروج من السياسة التقليدية الضيقة، والتفكير بطريقة مختلفة تمامًا.
كيف يمكن لمدن مثل الخليل، وغزة، ونابلس، ورام الله أن تتحول إلى مراكز اقتصادية متخصصة؟
كيف يمكن بناء مناطق صناعية فلسطينية مرتبطة بالأسواق الآسيوية؟
كيف يمكن الاستثمار في التعليم التقني، والطاقة البديلة، والبنية الرقمية، والتجارة الإلكترونية؟
وكيف يمكن للفلسطيني أن يتحول من مستهلك للأزمات إلى شريك في صناعة المستقبل؟
الصين تفكر بعقلية القرون، بينما ما زالت كثير من السياسات في منطقتنا تُدار بعقلية رد الفعل اليومي.
ولهذا تتحرك بكين بهدوء، لكنها تتقدم بثبات، فيما يستهلك الشرق الأوسط جزءًا كبيرًا من طاقته في صراعات لا تنتهي.
العالم يتغير بسرعة أكبر مما يتخيل كثيرون.
ومع كل تحول دولي جديد، تتراجع أهمية الشعارات لصالح الاقتصاد والتكنولوجيا والقدرة على إنتاج النفوذ الحقيقي.
وفي النهاية، لن يكون السؤال في العقود القادمة: من كان يرفع الشعارات الأعلى؟
بل: من فهم اتجاه التاريخ مبكرًا، واستعد له قبل أن تُغلق أبواب الفرص.
فالعالم لا ينتظر أحدًا.
والشعوب التي لا تقرأ التحولات الكبرى، تتحول مع الوقت من صانعة للتاريخ… إلى هامش
صغير في كتب الآخرين.
م. غسان جابر – فلسطين



