القيادة في زمن “اللا قرار” حين يصبح الفراغ نظام حكم… والعجز أداة إدارة

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر
في المراحل الطبيعية من عمر الشعوب، تُقاس قوة القيادة بقدرتها على اتخاذ القرار، حتى لو كان القرار مكلفًا أو مثيرًا للجدل. أما في المراحل المأزومة، فإن المشهد يصبح أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يعود السؤال: “من يقود؟”، بل: “هل هناك من يريد أصلًا الوصول إلى لحظة القرار؟”.
في الحالة الفلسطينية، يبدو أننا دخلنا زمنًا سياسيًا جديدًا يمكن تسميته بـ “زمن اللا قرار”، حيث لم يعد الفراغ مجرد نتيجة للأزمة، بل تحوّل تدريجيًا إلى أسلوب حكم قائم بذاته. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالمشهد الفلسطيني اليوم لا يعاني فقط من ضعف القيادة، بل من نشوء نمط جديد من القيادة؛ قيادة لا تُعرّف نفسها بما تنجزه، بل بما تؤجله، وما تمنع حدوثه، وما تُبقيه معلّقًا في الهواء.
إنها قيادة إدارة الفراغ.
في هذا النموذج، لا يُطلب من السياسي أن يمتلك مشروعًا وطنيًا واضحًا، بل أن يمنع الانهيار الكامل. لا يُكافأ لأنه يفتح أفقًا جديدًا، بل لأنه يؤجل الانفجار القادم. يصبح الاستمرار بحد ذاته إنجازًا، حتى لو كان استمرارًا داخل دائرة مغلقة من العجز والتآكل البطيء.
وهنا تظهر المفارقة الفلسطينية المؤلمة:
كل شيء يبدو قائمًا… لكنه في الحقيقة معلّق.
هناك مؤسسات، لكن الثقة غائبة.
هناك خطاب سياسي، لكن بلا تأثير.
هناك فصائل، لكن بلا مشروع جامع.
هناك سلطة، لكن بلا سيادة.
وهناك شعب بأكمله يعيش في حالة انتظار مفتوح، دون أن يعرف ماذا ينتظر تحديدًا.
الأخطر من ذلك أن حالة “اللا قرار” لم تعد تُقدَّم كفشل مؤقت، بل كخيار عقلاني لتجنب الأسوأ. وهكذا يتحول الجمود إلى حكمة، والتردد إلى اتزان، والعجز إلى شكل من أشكال الواقعية السياسية.
لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
فالمجتمعات لا تنهار دائمًا بسبب القرارات الخاطئة، بل أحيانًا بسبب غياب القرار أصلًا. لأن الفراغ السياسي لا يبقى فراغًا إلى الأبد؛ بل تمتلئ مساحته تدريجيًا بالخوف، والفوضى، والانقسامات، والمصالح الصغيرة، حتى تصبح الدولة أو الحركة أو المؤسسة مجرد هيكل يستهلك نفسه من الداخل.
ولعل أخطر ما في هذا النموذج أنه يقتل الفكرة الوطنية ببطء شديد دون ضجيج. فلا توجد هزيمة واضحة يمكن مقاومتها، ولا انتصار واضح يمكن البناء عليه. فقط استنزاف طويل يجعل الناس تفقد علاقتها بالسياسة، ثم بالقضية، ثم بالأمل نفسه.
في الماضي، كانت الشعوب تختلف مع قادتها حول شكل المستقبل. أما اليوم، ففي كثير من الحالات العربية والفلسطينية تحديدًا، بات السؤال أكثر قسوة:
هل هناك مستقبل أصلًا داخل هذا النظام المغلق؟
المعضلة أن إدارة الفراغ قد تنجح تكتيكيًا لفترة، لكنها تفشل استراتيجيًا دائمًا. لأنها تنتج أجيالًا لا تؤمن بالتغيير، ونخبًا تخشى أي حركة حقيقية، ومؤسسات تتقن البقاء أكثر مما تتقن البناء.
وحين تصل الأنظمة السياسية إلى هذه المرحلة، تصبح الأولوية غير المعلنة هي حماية التوازن الهش، لا صناعة التحول. وهنا تتحول السياسة من فعل تاريخي إلى مجرد إدارة يومية للخوف.
في التجربة الفلسطينية، يبدو المشهد أكثر حساسية وتعقيدًا، لأن القضية نفسها لا تحتمل الفراغ طويلًا. فالشعوب الواقعة تحت الاحتلال تحتاج إلى طاقة سياسية متجددة، وإلى سردية قادرة على إنتاج المعنى، لا مجرد إدارة التعب الجماعي.
لكن ما يحدث اليوم يوحي وكأن النظام السياسي بأكمله دخل منطقة الراحة الخطرة؛ منطقة البقاء دون تقدم، والاستمرار دون رؤية، والنجاة دون مشروع.
وربما لهذا السبب لم يعد الفلسطيني يشعر أنه يعيش لحظة تحرر وطني بقدر ما يعيش حالة انتظار تاريخي طويلة، مفتوحة على كل الاحتمالات… إلا الحسم.
السؤال الحقيقي إذًا لم يعد:
من سيقود المرحلة القادمة؟
بل:
هل ما زلنا نمتلك القدرة السياسية والنفسية والأخلاقية على الخروج من زمن “اللا قرار” قبل أن يتحول الفراغ نفسه إلى قدر دائم؟
م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية



