حين يُعتقل الضمير: قصة تياغو وما تكشفه عن عالمٍ يختبر صمته

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر
قبل أيام، اعتقلت القوات الإسرائيلية الناشط البرازيلي تياغو أفيلا، أحد المشاركين في مبادرات مدنية مرتبطة بـ“أسطول الحرية”، بعد نشاطه في تسليط الضوء على ما يجري في غزة. لم يكن مسلحًا، ولم يقُد مواجهة، ولم يتجاوز حدود الفعل السلمي. “جريمته” كما يراها كثيرون، أنه لم يصمت؛ أنه رأى ما يحدث، ورفض أن يتصرف وكأن شيئًا لم يكن.
قد تبدو هذه حادثة عابرة في زحام الأخبار، لكنها في الحقيقة تكشف نمطًا يتكرر: حين تتحول الشهادة إلى عبء، والحقيقة إلى مخاطرة، والحياد إلى ملاذ مريح. في مثل هذا السياق، لا يُسأل المرء عمّا إذا كان ما يقوله صحيحًا، بل عمّا إذا كان ينبغي له أن يقوله أصلًا.
تياغو ليس حالة استثنائية بقدر ما هو نموذج مكثف. نموذج لشخص اختار أن يربط ما يراه بما يؤمن به، بدل أن يفصل بينهما كما يفعل كثيرون. في عالمٍ تُدار فيه المآسي بلغة الأرقام والتوازنات، يصبح الصوت الإنساني المباشر إزعاجًا غير مرغوب فيه، لأنه يعيد الأمور إلى بساطتها الأولى: هناك ألم، وهناك من يراه، وهناك من يختار أن يتكلم.
ما يجعل هذه القصة ذات صدى عالمي هو أنها لا تخص جغرافيا بعينها. هي تمس سؤالًا يتكرر في كل مكان: ما حدود مسؤولية الفرد حين يشهد الظلم؟ هل يكفي أن يعرف؟ أم أن المعرفة تفرض، بطبيعتها، موقفًا؟
في الحالة الفلسطينية، هذا السؤال ليس جديدًا. الجديد فقط هو الوجوه التي تطرحه، والأصوات التي تحمله إلى العالم. أما الجوهر، فثابت: واقع قاسٍ يُنتج المعاناة، وسردية تحاول تفسيره أو تبريره، وأصوات تحاول كسر هذا التفسير، ولو كلفها ذلك حريتها.
المفارقة أن محاولات إسكات هذه الأصوات لا تُنهي تأثيرها، بل تُعيد إنتاجه بشكل أوسع. فكل قصة اعتقال لا تُغلق بابًا، بل تفتح نقاشًا. وكل صوت يُقمع، يترك فراغًا يُجبر الآخرين على طرح السؤال ذاته: ماذا لو كنا مكانه؟
تياغو لم يغيّر مسار الصراع، لكنه أعاد طرح معيار بسيط غالبًا ما يُنسى: أن ترى، ثم تختار. وهذه، في عالم اليوم، ليست مسألة شخصية فقط، بل اختبار أخلاقي مفتوح.
في نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة المواقف بحجم أصحابها، بل بوضوحها. وما فعله تياغو، ببساطة، أنه اختار الوضوح في زمن الالتباس. أما نحن، فالسؤال لم يعد ماذا يحدث هناك، بل ماذا نفعل نحن هنا. لأن الصمت، حين تتضح الصورة، لا يعود حيادًا… بل تعريفًا دقيقًا للموقع الذي نقف فيه.
م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.



