في فلسطين… حتى الصبر تعب منا

اجنادين نيوز / ANN

بقلم : المهندس غسان جابر

في فلسطين، لم يعد المواطن يحتاج إلى محلل سياسي، ولا إلى نشرة أخبار، ولا إلى مؤتمر صحفي يشرح له ما يجري. يكفيه أن يتذكر أمثال الجدّات، فهي أصدق من التصريحات، وأوضح من البيانات، وأرحم من الواقع نفسه.

نحن شعب دخل القرن الحادي والعشرين، لكننا ما زلنا نُدار أحيانًا بعقلية: “خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود”، مع أن الأيام كلها صارت سوداء، والقرش نفسه اختفى، ومن بقي معه قرش صار يخفيه من الفواتير لا من المستقبل.

يقولون للناس اصبروا، وكأن الصبر مشروع وطني لا ينتهي. حتى أصبح المثل الحقيقي: اصبر لتنتظر، وانتظر لتتعب، وتعبك يحتاج إلى صبر جديد.
هذا شعب لو كان الصبر عملة، لأصبح أقوى اقتصاد في الشرق الأوسط.

أما السياسة عندنا، فتصلح لها حكمة واحدة: “كثرة الطباخين بتحرق الطبخة”. لكن مشكلتنا أن الطبخة احترقت، والطباخين ما زالوا يتشاجرون على الملاعق. كل طرف يدّعي أنه المنقذ، وكل فريق يحمل مفتاح الحل، بينما الباب نفسه لم يعد موجودًا.

وفي كل أزمة، يظهر من يخطب عن الوحدة الوطنية، ثم يذهب ليختلف على ترتيب المقاعد. يتحدثون عن الشراكة كما يتحدث الأغنياء عن الفقر: بحماس نظري فقط.

المواطن الفلسطيني، ذلك الكائن العجيب، مطلوب منه أن يدفع، ويصبر، ويصفق، وينتخب إذا طُلب منه، ويصمت إذا تكلم غيره. وإذا اشتكى، قيل له: الظروف صعبة. نعم، الظروف صعبة منذ زمن، لكن الغريب أن الصعوبة دائمًا تسكن بيت المواطن فقط، ولا تزور المكاتب المكيفة.

يقول المثل: “اللي إيده بالمي مش زي اللي إيده بالنار”.
ومن يديرون شؤون الناس، أيديهم غالبًا في المياه المعدنية، بينما يد المواطن في نار الأسعار، ونار البطالة، ونار الانتظار، ونار السؤال المهين آخر الشهر: من أين نأتي بالباقي؟

أما الاقتصاد، فهو نكتة ثقيلة الدم. شاب يدرس سنوات، ويتخرج، ويبحث عن عمل، فيكتشف أن الوظيفة تحتاج خبرة، والخبرة تحتاج وظيفة، والواسطة لا تحتاج شيئًا.
فتحوّل المثل الشعبي إلى شهادة جامعية جديدة: ادرس لتتعب، وتخرج لتنتظر، وانتظر لتفكر بالهجرة.

والتاجر المسكين، بين ضرائب ورسوم وركود وديون، صار يفتح متجره كل صباح لا ليبيع، بل ليتأكد أن الإفلاس لم يدخل قبله.

وفي المجتمع، كنا نقول: “جارك القريب ولا أخوك البعيد”.
اليوم الجار غارق في أقساطه، والأخ البعيد غارق في غربته، وأنت غارق في فاتورة الكهرباء. صرنا نحب بعضنا كثيرًا، لكن كل واحد من خلف أزمته الخاصة.

أما الإعلام، فحدّث ولا حرج. كل شيء عاجل إلا الحقيقة، وكل شيء إنجاز إلا حياة الناس، وكل شيء قابل للتصوير إلا طابور الانتظار. وجوه تتكرر، كلمات تتكرر، ووعود تتكاثر أسرع من فرص العمل.

ومع ذلك، يبقى هذا الشعب عصيًّا على الكسر. يضحك في عز الوجع، ويسخر من مصيبته كي لا تسخر منه المصيبة. يعرف من خذله، ومن تاجر به، ومن وقف معه، ومن اكتفى بالتقاط الصور قرب معاناته.

في فلسطين، لم يعد السؤال: كيف نعيش؟
بل: كيف ما زلنا نعيش رغم كل هذا؟

وهنا يعود المثل الشعبي ليقول كلمته الأخيرة: “ما بضيع حق وراه مطالب”.
لكن الناس بدأت تضيف عليه همسًا:
الحق لا يضيع… لكنه يتعب من كثرة الانتظار.

م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

زر الذهاب إلى الأعلى