بين الذكاء الاصطناعي وذكاء الناس

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر

في السياسة، لا يخطئ المسؤول حين يحلم، بل حين يطلب من الناس أن ينسوا واقعهم من أجل حلم مؤجل.

خلال أيام قليلة، خرج محمد مصطفى رئيس الوزراء بتصريحين يصلحان لتلخيص المشهد الفلسطيني كله: الأول أن الأشهر الستة القادمة ستكون صعبة، والثاني أن عشرة آلاف شاب وشابة سيُدرَّبون على مهارات المستقبل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

بين التصريحين مسافة بلد كامل.

فالناس التي تسمع أن القادم أصعب، ثم تُدعى في اللحظة نفسها إلى التفاؤل الرقمي، لا تسأل عن الخوارزميات ولا عن الاقتصاد المعرفي، بل تسأل سؤالًا أكثر بساطة: من سيدفع فاتورة الدواء؟ من سينقذ المدرسة المتعبة؟ من يضمن راتب الموظف؟ ومن يعيد للسوق نبضه؟

لا أحد يعترض على تدريب الشباب، ولا على التكنولوجيا، ولا على الانفتاح على المستقبل. الاعتراض الحقيقي أن يصبح المستقبل ذريعة للهروب من الحاضر. فالحكومات الرشيدة لا تقفز فوق الأزمات، بل تعالجها أولًا ثم تبني بعدها.

كيف يمكن إقناع المواطن بخطط الذكاء الاصطناعي فيما القطاع الصحي يعمل بقدرة محدودة، والمريض يضبط موعد مرضه على أيام الدوام، والتعليم يترنح بين نقص الإمكانات وتآكل الاستقرار، والاقتصاد المحلي يئن تحت الركود، والتاجر يحصي خسائره أكثر مما يحصي مبيعاته؟

المشكلة ليست في الفكرة، بل في التوقيت، وليست في المشروع، بل في الثقة.

فالثقة العامة لا تُبنى بإعلانات كبيرة، بل بإنجازات صغيرة تتراكم. حين يلمس المواطن تحسنًا في المستشفى، انتظامًا في المدرسة، عدالة في القرار، ووضوحًا في إدارة المال العام، فإنه سيصدق أي خطة للمستقبل. أما حين يرى الخدمات تتراجع بينما الوعود تكبر، فإنه يتعامل مع التصريحات كمواد إعلامية لا أكثر.

وللفلسطينيين ذاكرة مثقلة بالوعود. كم سمعوا عن مشاريع استراتيجية، وخطط إنقاذ، وبرامج نهوض اقتصادي، ثم اكتشفوا أن كثيرًا من العناوين كان أكبر من القدرة على التنفيذ. ليست المشكلة في نقص الكلام، بل في فائضه.

من حق الناس أن تسأل: أين الخطة المنشورة؟ أين التمويل؟ أين الشراكات؟ أين الجدول الزمني؟ أين مؤشرات النجاح؟ أين فرص العمل التي ستنتج عن تدريب عشرة آلاف شاب؟ أم أن الرقم اختير ليلفت الانتباه أكثر مما يعكس برنامجًا جاهزًا؟

الدول الجادة لا تعلن أرقامًا قبل أن تعلن آلياتها.

والحقيقة القاسية أن أقرب تصريحات المسؤولين إلى الواقع، ليست تلك التي تعد بالقفز إلى المستقبل، بل تلك التي تعترف بصعوبة الشهور المقبلة. لأن المواطن يعيش هذه الصعوبة بالفعل: في جيبه، وفي دواء أطفاله، وفي قلقه اليومي، وفي نظرته المرتبكة إلى الغد.

لسنا ضد الطموح، بل ضد تحويله إلى ستار. ولسنا ضد التكنولوجيا، بل ضد استخدامها كزينة خطابية فوق بنية متعبة. فلا اقتصاد رقميًا يُبنى فوق تعليم منهك، ولا نهضة معرفية تقوم فوق صحة متراجعة، ولا ثقة وطنية تنمو في ظل إدارة تطلب من الناس الصبر أكثر مما تقدم لهم الحلول.

في النهاية، الناس أذكى من أن تُدار بالشعارات.

إنهم لا يطلبون معجزات، بل أشياء أكثر تواضعًا وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: مستشفى مفتوح، مدرسة مستقرة، سوق يتحرك، وراتب يصل في موعده. بعد ذلك فقط، يمكن الحديث بثقة عن الذكاء الاصطناعي. أما قبله، فالأولوية تبقى للذكاء السياسي… وهو أندر من التكنولوجيا.

م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

زر الذهاب إلى الأعلى