لماذا يكره القطيع الشخص العقلاني؟

أجنادين نيوز / ANN
بقلم : الكاتب والباحث اسعد الجوراني
يبين لنا الفيلسوف شوبنهاور سبب كره القطيع للشخص العقلاني حيث يقول : أكثر ما يكرهه القطيع هو إنسان يفكر بشكل مختلف، القطيع لا يكره رأيه في الحقيقة، ولكنه يكره جرأة هذا الفرد في إمتلاك الشجاعة للتفكير بنفسه كي يكون مختلفاً، وهذا تحديداً ما لا يعرفه القطيع.
هذه العبارة تلخص بدقة متناهية سيكولوجية الجماهير وتكشف العقدة الأزلية بين الفرد المستقل و المجموع المستسلم، العمق الحقيقي في هذا التحليل (سواء نُسب لشوبنهاور أو نيتشه أو نُسج من روح فلسفتهما في نقد القطيع) يكمن في فكرة الملكية الفكرية والروحية القطيع لا يملك أفكاره، بل هي أفكار مُعارة، مُلقنة، ومفروضة عليه بالتواتر والتعود؛ لذلك عندما يرى فرداً يمتلك فكرته الخاصة كصاحب حق أصيل، يُصاب بنوع من الغيرة الوجودية اللاواعية.
إن جرأة التفكير المستقل تُعرّي حقيقتين يستميت القطيع في إخفائهما:
1. أن الكثرة” ليست دليلاً على الحق
حين ينجح فرد واحد، بامتلاكه الشجاعة، في تفكيك موروث أو كشف زيف وهمٍ جماعي، فإنه يسقط شرعية الأغلبية العظمى يصبح وجوده دليلاً حياً على أن الملايين قد يسيرون في الطريق الخطأ، وهذا يثير رعباً جمعياً لا يمكن تهدئته إلا بمحاولة إسكات هذا الفرد.
2. تكلفة الحرية الباهظة
القطيع يدفع حريته وعقله ثمناً للحصول على الأمان والقبول الاجتماعي. وحين يرى شخصاً عقلانياً يرفض دفع هذا الثمن، ويتحمل عبء العزلة في سبيل حريته الفكرية، يشعر القطيع بأن صفقتهم الفكرية خاسرة. الكراهية هنا ليست للفكرة، بل هي كراهية لالأمتياز الذي تتمتع به الذات الحرة ولم يجرؤوا هم على نيله.
مأساة ما لا يعرفه القطيع – كما ختمت المقولة – هي أنهم يظنون معركتهم مع الشخص العقلاني معركة حق وباطل أو عقيدة وفكر، بينما هي في عمقها السيكولوجي معركة بين شجاعة الوجود وجبن التلاشي في المجموع.




