نظرية القصور المعرفي المرحلي للعقل
تأسيسٌ لإبستمولوجيا تاريخية الحدود المعرفية

أجنادين نيوز / ANN
المفكر والفيلسوف التنويري فرقد الأغا
ظل سؤال ما حدود العقل الإنساني؟ أحد أكثر الأسئلة حضوراً في تاريخ الإبستمولوجيا، وقد افترضت اتجاهات فلسفية عديدة أن هذه الحدود كامنة في طبيعة العقل ذاته، لذا ذهبت بعض المذاهب إلى أنها حدود ماهوية ثابتة لا يمكن تجاوزها، بينما لجأت اتجاهات أخرى إلى افتراض مصدر معرفي مطلق يعوض هذا القصور المفترض.
غير أن هذا الافتراض يثير سؤالاً منطقياً يسبق كل تلك التصورات:
هل ثبت أصلاً أن الحدود التي يواجهها الإنسان هي حدود للعقل نفسه أم أنها حدود للمرحلة التاريخية التي يمارس فيها العقل نشاطه المعرفي؟
تنطلق نظريتنا من أن هذا السؤال لم يُطرح بما يكفي في تاريخ الإبستمولوجيا، وأن إعادة صياغته تمثل نقطة التحول الأساسية في فهم طبيعة المعرفة.
أولاً: نقل عبء البرهان
لا يوجد حتى الآن برهان فلسفي أو علمي حاسم يثبت أن الحدود التي يواجهها الإنسان هي حدود ماهوية ثابتة في طبيعة العقل، بيد إن تاريخ المعرفة يقدم صورة معاكسة؛ إذ يكشف أن عدداً هائلاً من الظواهر التي عُدت يوماً مستحيلة الفهم أو الإدراك لم تكن في الحقيقة مستحيلة، وإنما كانت خارج الإمكانات المفاهيمية والمنهجية والتقنية المتاحة آنذاك، لذا إن عبء البرهان لا يقع على من يقول بتاريخية الحدود المعرفية، إنما يقع على من يدعي أن هذه الحدود نهائية وماهوية، إذ إن الادعاء بوجود حد ثابت للعقل يحتاج إلى دليل مستقل ولا يكفي الاستناد إلى عجز معرفي مؤقت في مرحلة تاريخية معينة.
ثانياً: الفرضية المؤسسة
من خلال نظرية القصور المعرفي المرحلي للعقل نرى أن ما يوصف بحدود العقل ليس حدوداً للعقل ذاته، بل هي حدود تاريخية للمعرفة تنشأ عن مستوى التطور الحضاري والعلمي الذي يعمل العقل في إطاره، حيث أن الحدود المعرفية تتشكل تاريخياً من خلال أربعة عناصر متفاعلة:
– التراكم المعرفي.
– البنية المفاهيمية.
– الأدوات العلمية والتقنية.
– المناهج المستخدمة في البحث والاستدلال.
وبتغير هذه العناصر تتغير الحدود المعرفية نفسها.
ومن هذا المنطلق إن موضوع الإبستمولوجيا لا ينبغي أن يكون البحث عن حدود ثابتة للعقل، بل عن دراسة الكيفية التي تتكون بها الحدود المعرفية تاريخياً وكيف يعاد تجاوزها.
ثالثاً: مبدأ القصور المعرفي المرحلي
إذا كانت الحدود المعرفية تاريخية فإن القصور المعرفي يصبح بدوره قصوراً مرحلياً، فالقصور المرحلي هو العجز المؤقت عن تفسير ظاهرة أو حل مشكلة بسبب محدودية الأدوات أو المفاهيم أو المناهج السائدة في مرحلة تاريخية معينة، لا بسبب وجود نقص ماهوي في العقل نفسه، وبذلك يصبح القصور وصفاً للحالة التاريخية للمعرفة لا وصفاً لطبيعة العقل.
رابعاً: برهان تاريخ المعرفة
يقوم البرهان المركزي للنظرية على ملاحظة فلسفية بسيطة:
لو كانت حدود العقل حدوداً ماهوية ثابتة لبقيت ثابتة عبر التاريخ، لأن ما هو ماهوي لا يتغير بتغير الأزمنة، لكن تاريخ المعرفة يكشف العكس تماماً، فالخلايا لم تكن مجهولة لأن العقل يعجز مبدئياً عن إدراكها وإنما لأن المجهر لم يكن موجوداً، والجراثيم لم تكن خارج قدرة العقل وإنما خارج قدرة الأدوات، وكذاك الذرة والجينات والنسبية وموجات الجاذبية، كلها أمثلة على معارف أصبحت ممكنة بعد أن كانت خارج أفق المعرفة في مراحل سابقة ، لذا إن الذي تغير لم يكن طبيعة العقل، وإنما البيئة المعرفية التي يعمل داخلها، ومن ثم إن تحويل العجز التاريخي إلى حكم ماهوي على العقل يمثل قفزاً استدلالياً غير مبرر من وصف حالة تاريخية إلى تقرير حقيقة أنطولوجية عن طبيعة العقل وهذا مصادرة على المطلوب إثباته.
خامساً: العقل بوصفه منظومة متطورة
إن جوهر نظريتنا لا يرى العقل بوصفه جهازاً معرفياً مغلقاً، إنما بوصفه منظومة ديناميكية تعيد باستمرار بناء أدواتها ومفاهيمها ولغتها ونماذجها التفسيرية كلما واجهت مشكلات جديدة، ومن ثم فإن التقدم المعرفي لا يتمثل في تراكم المعلومات فقط، بقدر ماهو إعادة تشكيل البنية المعرفية ذاتها، ولهذا إن كل مرحلة معرفية تعيد تعريف ما كان يبدو مستحيلاً في المرحلة السابقة.
سادساً: آليات تجاوز الحدود التاريخية
لا يتجاوز العقل حدوده التاريخية بصورة تلقائية، وإنما عبر مجموعة من الآليات المتكاملة، أهمها:
– التراكم المعرفي.
– النقد المنهجي.
– تطوير الأدوات العلمية.
– إعادة بناء المفاهيم والنماذج التفسيرية.
– التكامل بين الحقول المعرفية.
ولذلك فإن تاريخ المعرفة ليس مجرد تراكم للحقائق، بل هو تاريخ لإعادة بناء شروط المعرفة نفسها.
سابعاً: قانون التطور المعرفي
كلما تجاوز العقل حدود مرحلته التاريخية نشأت مرحلة جديدة بحدود معرفية جديدة، فتبدأ دورة جديدة من النقد وإعادة البناء والتجاوز، وبذلك لا تمثل أي مرحلة نهاية للمعرفة، بل تمثل بداية لحدود جديدة قابلة للمراجعة.
ثامناً: النتائج الإبستمولوجية
تترتب على نظرية القصور المعرفي المرحلي للعقل النتائج الآتية:
– لا يجوز تحويل القصور التاريخي إلى حكم ماهوي على طبيعة العقل.
– لا تستلزم محدودية المعرفة في زمن معين افتراض وجود مرجع معرفي مطلق أو عقل معصوم.
– معيار التقدم المعرفي هو قدرة العقل على مراجعة نفسه وتصحيح أخطائه وتطوير أدواته ومفاهيمه.
– المعرفة مشروع تاريخي مفتوح ينتقل باستمرار من حدود قابلة للتجاوز إلى حدود جديدة.
تاسعاً: في حدود النظرية نفسها
من خلال نظريتنا نقدم تفسيراً إبستمولوجياً نرى أنه الأكثر اتساقاً مع تاريخ المعرفة حتى الآن، وعلى ضوء مما سبق تعيد هذه النظرية بناء السؤال الإبستمولوجي من أساسه.
فالسؤال المركزي لم يعد ما حدود العقل؟ إنما أصبح كيف تنتج كل مرحلة تاريخية حدودها المعرفية؟ وفقاً لنظرية القصور المعرفي المرحلي للعقل، وكيف يستطيع العقل إعادة بناء أدواته ومفاهيمه لتجاوز تلك الحدود؟
وعلى ضوء ما تقدم ندعو من خلال هذه النظرية إلى نقل مركز البحث الإبستمولوجي من السؤال عن الحدود الماهوية الثابتة للعقل إلى دراسة تاريخية الحدود المعرفية وشروط تشكلها وتجاوزها، فالمعرفة ليست نسقاً مغلقاً يبلغ اكتماله النهائي إنما مشروعاً تاريخياً مفتوحاً تتغير حدوده بتغير الأطر المفاهيمية والمناهج والأدوات والتراكم المعرفي، إضافة الى إن ما يبدو في مرحلةٍ ما حدّاً للعقل ماهو في حقيقته إلا حداً للمرحلة التاريخية التي يعمل فيها، وهو ما يظل قابلاً للنقد وإعادة البناء والتجاوز مع تطور شروط المعرفة.




