السؤال التاريخي: هو المدخل الحقيقي لفهم الإنسان والعالم ومسار الحضارات

أجنادين نيوز / ANN

بقلم الدكتور رمضان أحمد العمر

لا يبدأ التاريخ بالإجابات وإنما يبدأ بالسؤال، فالسؤال هو الشرارة الرئيسية التي تدفع الباحث والمهتم بالتنقيب في الوثائق التاريخية، وأيضاً مقارنة الروايات المتعددة، وكذلك تحليل الوقائع وصياغتها بطريقة علمية اكاديمية بهدف الوصول إلى تفسير علمي يمت للحقائق التاريخية بصلة، وبالتالي فإن قيمة المؤرخ الحقيقي لا تقارن بما يمتلكه من أفكار ومعلومات واسعة فحسب، بل باستطاعته على طرح التساؤلات التي تظهر ما وراء الأحداث وتحليل أسبابها ونتائجها بشكل منهجي وعلمي.

يمكننا القول إن الحضارات الإنسانية على مر العصور التاريخية لم تتطور وتنهض إلا عندما أمتلك الإنسان الجرأة على طرح الأسئلة، وبالتالي فكل تحول تاريخي كبير كان مسبوقاً بتساؤلات جوهرية حول الكثير من المجالات ومنها السلطة والثقافة والاقتصاد والمجتمع وطبيعة العلاقات بين الشعوب، وبالاستناد إلى هذه التساؤلات تشكلت العديد من المدارس التاريخية المختلفة ومنها المدرسة الوضعية ويعد المؤرخ الألماني ليوبولد فون رانكه رائدها الأول وتقوم هذه المدرسة على الوثائق الأصلية، وسعي الى كتابة التاريخ كما وقع بالفعل، وكذلك فإنها تركز على النقد الوثائقي والكتابة الموضوعية والحياد، والمدرسة الماركسية التي أسسها كارل ماركس وهذه المدرسة تفسر التاريخ من خلال الصراع الطبقي والظروف والعوامل الاقتصادية.
ومدرسة الحوليات والتي
أسسها مارك بلوخ ولوسيان فيفر، وطورها فرنان بروديل.
وهي تهتم بالبنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية…
وأيضاً هناك المدرسة الحضارية
ومن أهم ممثليها أرنولد توينبي وأوسفالد شبنغلر، تركز على نشوء وتطور وأسباب الإزدهار والانهيار للحضارات وغيرها من المدارس…
ونتج عن ذلك تطور مناهج البحث العلمي وصار التاريخ علماً حقيقياً قائماً بطبيعة الحال على النقد والمعرفة والتحليل وليس فقط على سرد للأحداث التاريخية.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنه لا يقتصر السؤال التاريخي على معرفة “ماذا حدث؟” بل يتعدى ذلك ليمتد إلى التساؤل لماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وأيضاً ما العوامل التي ساعدت وأدت إلى وقوعه؟ وما الآثار الجانبية التي تركها في واقع المجتمعات البشرية؟ وهل كان بالاستطاعة أن تسير الأحداث في إتجاه آخر؟ إن هذه التساؤلات تفتح آفاقاً كبيرة لفهم تاريخ الماضي، وبالتالي وربطه بالحاضر واستشراف المستقبل، وهنا يستحضرني الإمبراطورية اليونانية التي كانت تعرف بقوتها واسطولها البحري ونفوذها وجنودها وثرواتها الضخمة، توسعت وغزت آسيا الوسطى
” تركيا الحالية ” وسيطرت على بلاد الشام ووصلت إلى مصر واحتلت بلاد الرافدين، وتوسعت باتجاه الشرق إلى إيران وأفغانستان وآسيا الوسطى، وأيضا وصلت إلى شمال غرب الهند…
خاضت الكثر من الحروب وغامرت وخسرت وانكسرت، وبالتالي تقلصت وجاء في ما بعد بعض الفلاسفة وفي مقدمتهم سقراط وتسأل لماذا حدث هذا؟ لماذا لم تستطيع الإمبراطورية اليونانية تجنب هذه المصيبة التي حلت؟ هذه العواقب الوخيمة كانت واضحة للجميع؟ لماذا أقدمت الإمبراطورية اليونانية على هذا الانتحار الجماعي؟ وبالتالي نستطيع الاستنتاج أن هناك خلل كبير وهذا الأخير يفرض التساؤلات لماذا حدث ذلك؟ لماذا لم نفكر بطرق أخرى تجنبونا هذه المصيبة؟ ويقول هذا كان ممكناً.

من جانب آخر يمكن القول في البحث التاريخي الحديث والمعاصر، يجسد السؤال محور العملية البحثية كلها فمنه تنطلق الإشكالية المركزية وتتفرع الفرضيات، وكذلك تتحدد الوثائق والمصادر والادبيات… وتحدد المناهج المعتمدة بالدراسات والبحوث… وبالتالي تُبنى النتائج العلمية الأكاديمية، وهنا لا بدّ من الذكر أنه كلما كان التساؤل دقيقاً وعميقاً وواضحاً كانت الدراسة أكثر واقعية وعمق وقدرة على إنتاج معرفة علمية رصينة، وإضافات جديدة إلى حقل التاريخ.

كما يعزز السؤال من تمكين الباحث والمختص من التفكير النقدي عنده، بمعنى آخر يدفعه إلى التعامل النقدي مع الوثائق والمصادر التاريخية، وإعادة تحليل الأحداث بعيداً عن الروايات التقليدية الغير موثوقة أو التفسيرات المنجزة، ولذلك فإن التاريخ لا يعد حفظاً للوقائع، لا بل هو ممارسة علمية عقلية تبنى على التساؤلات المستمر، وأيضاً على إعادة الفهم والتحليل والتفسير من خلال الأدلة والبراهين والمعطيات الجديدة.

وبالتالي فإن المجتمعات البشرية التي تشجع ثقافة السؤال، لديها القدرة على مراجعة تاريخها بشكل دقيق واستنتاج الدروس والعبر من تجاربها وبناء مستقبل أكثر وعياً واستمرارية واستقرار، في حين أن المجتمعات التي تكتفي بتلقي الإجابات المهيأة، فإنها تفقد القدرة على عمليات النقد والتحليل والإبداع والتجديد….

نستطيع القول يبقى السؤال التاريخي الحجر الرئيسية في بناء وتعزيز المعرفة الإنسانية، فهو ليس مجرد طريقة لجمع البيانات والمعلومات، بل يعد مصدراً وأداة لفهم طبيعة الإنسان والعالم وتحولات الحضارات عبر العصور التاريخية وعن طريقه يتحول وينتقل التاريخ من سجل للماضي القديم إلى علم يفسر ويحلل حركة المجتمعات البشرية، وكذلك يساعد الإنسان على فهم حاضره واستشراف مستقبله.

زر الذهاب إلى الأعلى