حين تصبح العملة احتلالًا صامتًا… هل ابتلع الشيكل الاقتصاد الفلسطيني؟

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر
القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

هناك دول تسقط عندما تخسر حربًا.

وهناك دول تنهار عندما تفلس خزائنها.

لكن هناك نوعًا أخطر من الانهيار… عندما تمتلك المال، ولا تستطيع استخدامه.

هذه ليست رواية خيالية، بل الواقع الذي يعيشه الفلسطيني اليوم.

التاجر يحمل شيكات يخشى أن يحين موعد استحقاقها، وصاحب العمل يبحث عن بنك يقبل الإيداع، والمواطن يقف أمام الصراف الآلي ليكتشف أن سقف السحب لا يلبي احتياجاته، بينما تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مناشدات تطلب من أصحاب الشيكات مراجعة البنوك قبل موعد الاستحقاق، وكأن الحصول على المال أصبح سباقًا مع الزمن.

قد يبدو المشهد وكأنه أزمة مصرفية عابرة…

لكنه في الحقيقة أخطر من ذلك بكثير.

إنها أزمة سيادة اقتصادية.

المال موجود… لكنه محاصر

في العادة، تُقاس قوة الاقتصاد بحجم إنتاجه واستثماراته.

أما في فلسطين، فأصبح السؤال مختلفًا:

هل يستطيع الاقتصاد تحريك أمواله؟

فالبنوك لا تعاني من فراغ الخزائن، بل من تكدس عملة لا تستطيع التخلص منها بسهولة، بينما يعاني السوق من نقص السيولة المتداولة. إنها مفارقة تبدو غريبة، لكنها تكشف أن المشكلة ليست كمية المال، بل قدرة النظام المالي على تدويره بكفاءة في ظل القيود المفروضة عليه.

لقد تحول الشيكل من وسيلة لتسهيل التجارة إلى قيد يحد من حركة الاقتصاد.

اقتصاد الانتظار… النموذج الفلسطيني الجديد

ربما أخطر ما أنتجته السنوات الماضية ليس العجز المالي، بل ثقافة الانتظار.

ننتظر أموال المقاصة.

ننتظر إدخال الشيكل أو نقله.

ننتظر الموافقات.

ننتظر الكهرباء.

ننتظر فتح المعابر.

ننتظر إعادة الإعمار.

واليوم…

أصبح الشيك نفسه ينتظر.

إنه اقتصاد كامل يعيش على الانتظار، بينما الاقتصاد الحقيقي يقوم على سرعة الحركة والثقة والدوران المستمر لرأس المال.

هل تحولت البنوك إلى مخازن للشيكل؟

وظيفة أي بنك في العالم أن يحرك الأموال، ويحوّل المدخرات إلى استثمارات، ويمنح الاقتصاد القدرة على النمو.

لكن عندما يصبح الهم الأكبر هو كيفية التعامل مع فائض النقد بعملة واحدة، فإن البنك يفقد جزءًا من دوره التنموي، ويصبح منشغلًا بإدارة الأزمة بدلًا من تمويل الاقتصاد.

وهنا لا ينبغي توجيه اللوم إلى البنوك وحدها؛ فهي تعمل ضمن بيئة معقدة وقيود تتجاوز قدرتها على المعالجة الفردية.

المشكلة ليست في البنك.

وليست في الموظف.

وليست في التاجر.

المشكلة في نموذج اقتصادي كامل بُني على التبعية أكثر مما بُني على الاستقلال.

من أزمة الشيكات إلى سؤال الدولة

كل أزمة مالية تطرح سؤالًا سياسيًا.

وأزمة الشيكات تطرح سؤالًا أكبر من البنوك نفسها:

هل يمكن لدولة تطمح إلى الاستقلال أن يبقى قرارها المالي مرهونًا بمنظومة لا تتحكم بها بالكامل؟

فالاقتصاد ليس مجرد أرقام.

إنه أحد أعمدة السيادة الوطنية.

الحلول… من إدارة الأزمة إلى تغيير النموذج

إذا أردنا معالجة حقيقية، فعلينا أن ننتقل من ردود الفعل إلى بناء رؤية اقتصادية جديدة.

وأقترح أن يبدأ ذلك بخطوات عملية قابلة للتنفيذ:

أولًا: تشكيل غرفة طوارئ اقتصادية وطنية تضم سلطة النقد، ووزارة المالية، والبنوك، والغرف التجارية، واتحاد الصناعات، وخبراء الاقتصاد، تجتمع بصورة دورية وتصدر مؤشرات وقرارات شفافة لإدارة الأزمة.

ثانيًا: تطوير منصة فلسطينية حديثة لإدارة وتمويل الشيكات، تسمح بخصمها وتسويتها إلكترونيًا وفق ضوابط واضحة، بما يخفف الضغط على السوق ويزيد الثقة في أدوات الدفع.

ثالثًا: تنويع استخدام العملات في التجارة والعقود الحكومية، ضمن الأطر القانونية والتنظيمية، بما يقلل الاعتماد المفرط على عملة واحدة ويمنح الاقتصاد مرونة أكبر.

رابعًا: توجيه جزء أكبر من التمويل نحو القطاعات الإنتاجية؛ فكل مصنع جديد، وكل مزرعة منتجة، تقلل الحاجة إلى الاستيراد وتعزز قدرة الاقتصاد على توليد قيمة حقيقية.

خامسًا: إطلاق حوار وطني مسؤول حول مستقبل العلاقة الاقتصادية التي تحكم حركة التجارة والمدفوعات، بهدف البحث عن مسارات تعزز الاستقلالية الاقتصادية وتحد من مواطن الضعف البنيوية.

رؤية فلسطين 2040… تبدأ من السيادة الاقتصادية

لقد دعوت مرارًا إلى أن تكون رؤية فلسطين 2040 مشروعًا وطنيًا متكاملًا، لا يقتصر على إعادة الإعمار أو تحسين الخدمات.

فلا يمكن الحديث عن دولة حديثة بينما يبقى اقتصادها أسيرًا لأزمات متكررة في السيولة والمدفوعات.

ولا يمكن الحديث عن استقلال سياسي كامل دون بناء قدرة مالية واقتصادية أكثر استقلالًا ومرونة.

إن معركة المستقبل لن تُحسم فقط في السياسة والدبلوماسية، بل أيضًا في المصارف، وفي التكنولوجيا المالية، وفي الإنتاج، وفي امتلاك أدوات القرار الاقتصادي.

نقول: الصدمة التي يجب أن نواجهها

قد تنتهي أزمة الشيكات.

وقد تعود الإيداعات إلى طبيعتها.

وقد تختفي الطوابير أمام البنوك.

لكن ذلك لن يكون انتصارًا إذا بقيت أسباب الأزمة كما هي.

فالأزمات التي تتكرر ليست حوادث… بل رسائل.

ورسالة هذه الأزمة واضحة:

إن أخطر احتلال في القرن الحادي والعشرين ليس دائمًا من يحتل الأرض… بل من يستطيع، متى شاء، أن يبطئ نبض اقتصادك، ويقيد حركة أموالك، ويجعل دورة حياتك الاقتصادية أكثر هشاشة.

وعندما يصبح المال موجودًا ولا يتحرك، والاقتصاد يعمل ولا ينمو، والبنوك تدير الأزمات أكثر مما تمول التنمية، فعلينا أن نعترف بأن معركة التحرر لم تعد تُقاس فقط بالكيلومترات المحررة من الأرض، بل أيضًا بمساحة القرار الاقتصادي الذي نملكه.

فالسيادة لا تبدأ عند الحدود فقط… بل تبدأ عندما يصبح الاقتصاد قادرًا على الوقوف على قدميه، وعندما لا تتحول عملة الآخرين إلى قيدٍ على مستقبلنا.

م. غسان جابر.

زر الذهاب إلى الأعلى