أبعاد الحوكمة العالمية ومستقبل الذكاء الاصطناعي: قراءة في المقاربة الصينية والشراكة الجزائرية

اجنادين نيوز / ANN

عبد القادر خليل – رئيس تحرير شبكة طريق الحرير الإخبارية، رئيس الفرع الجزائري للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحُلَفاء الصين، وعضو مجلس الإدارة في الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل.

يشهد العالم تحولاً تكنولوجياً متسارعاً يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وأنماط الإنتاج والعلاقات الدولية، مدفوعاً بالتطور المتواصل في تقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، اكتسب المؤتمر الدولي للذكاء الاصطناعي والاجتماع رفيع المستوى حول الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي لعام 2026، الذي استضافته مدينة شانغهاي الصينية، أهمية خاصة بوصفه منصة دولية لمناقشة مستقبل حوكمة هذه التكنولوجيا، وبحث سبل تحقيق التوازن بين الابتكار ومتطلبات الأمن والتنمية.

سياق استراتيجي ورسائل الصين إلى المجتمع الدولي
انعقد المؤتمر في مرحلة تتزايد فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، بالتوازي مع تصاعد النقاشات الدولية بشأن الجوانب الأخلاقية والأمنية والتنظيمية لهذه التقنيات. وقد عكس حضور الرئيس الصيني شي جين بينغ وإلقاؤه الكلمة الافتتاحية الأهمية التي توليها بكين لهذا الملف، ورغبتها في الإسهام في صياغة إطار دولي لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
وأكد الرئيس الصيني، في خطابه، أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون “سيمفونية للتعاون العالمي، لا عزفاً منفرداً”، في إشارة إلى أهمية تعزيز العمل متعدد الأطراف، مع التحذير من توظيف التكنولوجيا كأداة للهيمنة أو توسيع مفهوم الأمن الوطني بما يؤثر في مصالح الدول الأخرى.

وعرض الرئيس شي رؤية الصين القائمة على أربعة محاور رئيسية هي:
الانفتاح والمنفعة المتبادلة، من خلال تشجيع التعاون الدولي، ودعم المصادر المفتوحة، وتعزيز توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الصناعات التقليدية والناشئة.
السلامة والقابلية للحوكمة، عبر تطوير الأطر القانونية والتنظيمية التي تحد من الاستخدامات الضارة، مع التأكيد على بقاء القرار النهائي تحت الإشراف البشري.
الشمول واحترام التنوع، بما يضمن مراعاة الخصوصيات الثقافية واختلاف مسارات التنمية بين الدول.
التضامن الدولي، عبر دعم دور الأمم المتحدة وتقليص الفجوة الرقمية، ولا سيما بين الدول المتقدمة والنامية.
وتعكس هذه المبادئ توجهاً صينياً نحو تعزيز مفهوم الحوكمة متعددة الأطراف في مجال الذكاء الاصطناعي، وإن كان نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطاً بمدى قدرته على بناء توافق دولي واسع، في ظل استمرار اختلاف الرؤى بين القوى الكبرى بشأن قضايا تنظيم البيانات، والشفافية، والخصوصية، والأمن السيبراني.

المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي وآفاق التعاون مع الجزائر
ومن أبرز مخرجات المؤتمر الإعلان عن تأسيس “المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي”، بما يعكس توجهاً نحو إضفاء طابع مؤسساتي على التعاون الدولي في هذا المجال. وتهدف المنظمة إلى تعزيز التنسيق بين الدول في وضع المعايير التقنية، وتبادل الخبرات، وبناء القدرات، ودعم مشاريع التعاون، مع إيلاء اهتمام خاص باحتياجات دول الجنوب العالمي.
وفي هذا الإطار، تكتسب مشاركة الجزائر، بصفتها من الدول المؤسسة للمنظمة، أهمية استراتيجية يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة لتعزيز مكانتها ضمن منظومة الاقتصاد الرقمي العالمي، وذلك على عدة مستويات.
أولاً، تتيح هذه العضوية فرصاً لتطوير الكفاءات الوطنية والاستفادة من برامج التكوين والتدريب والتعاون العلمي التي أعلنت عنها الصين لفائدة الدول النامية، بما يسهم في بناء رأس مال بشري متخصص في مجالات الذكاء الاصطناعي.
ثانياً، يمكن أن تسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، عبر تشجيع نقل المعرفة واستقطاب الاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، بما يدعم جهود الجزائر في تطوير بنيتها التحتية الرقمية وتسريع التحول الرقمي في مختلف القطاعات.
وثالثاً، تفتح آفاقاً للاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات ذات أولوية وطنية، مثل إدارة المخاطر الطبيعية، والإنذار المبكر بالكوارث، والأمن الغذائي، والزراعة الذكية، وذلك في إطار التعاون مع المؤسسات الدولية والإقليمية المعنية.

استشراف مستقبل الحوكمة الرقمية
تشير مخرجات مؤتمر شانغهاي إلى أن المنافسة الدولية في مجال الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على تطوير النماذج والخوارزميات، بل أصبحت تمتد إلى صياغة القواعد والمؤسسات التي ستنظم استخدام هذه التكنولوجيا خلال العقود المقبلة.
وتسعى الصين، من خلال مبادراتها الأخيرة، إلى تقديم نموذج يقوم على الجمع بين تشجيع الابتكار وتعزيز الدور التنظيمي للدولة، بما يحقق توازناً بين متطلبات التنمية والاعتبارات الأخلاقية والأمنية. وفي المقابل، تواصل قوى دولية أخرى طرح تصورات مختلفة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل السنوات المقبلة مرشحة لمزيد من النقاش والتنافس حول شكل النظام الرقمي العالمي.
وبالنسبة للجزائر، تمثل هذه التحولات فرصة لتعزيز حضورها في منظومة الحوكمة الرقمية الدولية، شريطة الاستثمار في البحث العلمي، وتطوير الموارد البشرية، وتحديث البنية التحتية الرقمية، وبناء شراكات متنوعة تضمن نقل التكنولوجيا وتوطينها. ومن المؤكد ستحرص الجزائر على توسيع التعاون والاستفادة من التجارب والإمكانيات الصينية في هذا المجال .

وفي المحصلة، يبدو أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بقدرة الدول على تطوير التقنيات، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء أطر حوكمة تحقق التوازن بين الابتكار والمسؤولية، وبين المصالح الوطنية ومتطلبات التعاون الدولي. وفي هذا السياق، قد تمثل المبادرات المطروحة في شانغهاي إحدى المحطات المؤثرة في النقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المبادرات الدولية الأخرى الساعية إلى بناء نظام رقمي أكثر شمولاً واستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى