الحدود الإبستمولوجية للمنطق الصوري والنقد الفلسفي لوهم العصمة المعرفية

اجنادين نيوز / ANN

المفكر والفيلسوف التنويري فرقد الأغا

يُعرف المنطق في التراث الفلسفي بأنه [ آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير ] ومفردة ( مراعاتها ) تعني إن العصمة مشروطة بالالتزام بقواعد المنطق، وبالرغم من ذلك فإن هذا التعريف يظل قابلاً للنقد الفلسفي والإبستمولوجي لأنه ينسب إلى المنطق قدرة تتجاوز وظيفته الحقيقية.
فالمنطق الصوري لا يمتلك آلية للتحقق من صدق المقدمات، وإنما يقتصر دوره على فحص العلاقة بين المقدمات والنتيجة، أي إنه يتحقق من سلامة الانتقال الاستدلالي لا من صحة المادة التي يقوم عليها هذا الانتقال، فإذا كانت المقدمات خاطئة أو غير مبرهنة أو غير كافية أو مبنية على تحيز أو خرافة أو معلومات غير موثقة فإن المنطق سيحافظ على سلامة الاستدلال من حيث الصورة، لكنه لن يمنع الوصول إلى نتيجة خاطئة من حيث المضمون.
لذلك إن الخطأ لا ينشأ دائما من مخالفة قواعد المنطق، بل قد يكون كامناً في المقدمات نفسها أو في الأدلة التي تستند إليها أو في التحيزات الإدراكية التي تسبق عملية الاستدلال، ولهذا يمكن بناء استدلال منطقي صحيح في صورته يفضي إلى خرافة، كما يمكن بناء استدلال منطقي صحيح آخر يفضي إلى حقيقة علمية؛ لأن المنطق لا يملك معياراً داخلياً يميز بين المقدمات الصادقة والمقدمات الكاذبة.
ولو كان المنطق يعصم الذهن من الخطأ حقاً لما أمكن أن تختلف النتائج بين أشخاص يلتزمون القواعد المنطقية نفسها، ولما استُخدم القياس ذاته في الدفاع عن مذاهب متعارضة أو معتقدات متناقضة، وهذا يكشف أن المنطق لا يعصم الفكر من الخطأ، وإنما يعصم الاستدلال من التناقض الشكلي فقط، فالمنطق الصوري هو أداة لتنظيم بنية الاستدلال لا معيار للحقيقة، إنه يحفظ الاتساق الشكلي للفكر لكنه لا يضمن صحة المعرفة كون أن سلامة المعرفة تتوقف على منظومة أوسع تشمل نقد المقدمات والتحقق من الأدلة ومراجعة التحيزات الإدراكية والتصحيح المستمر.
لذلك إن وصف المنطق بأنه ( يعصم الذهن من الخطأ ) ليس تعريفاً دقيقاً كونه توسيع لوظيفته، حيث يتجاوز حدوده الإبستمولوجية، إذ إن العصمة لا تتحقق بمجرد صحة صورة الاستدلال، وإنما تبدأ أولاً من صحة المقدمات نفسهاـ ثم من سلامة الأدلة ـ ثم من خضوع النتائج للمراجعة والنقد.
لذا إن سلامة التفكير ليست نتاج المنطق وحده بقدر ماهي خاصية ناشئة من تكامل البنية الإدراكية ونقد المقدمات والتحقق من الأدلة والوعي بالتحيزات والمراجعة الذاتية المستمرة.
[ المنطق الصوري أداة قانونية لتنظيم الاستدلال لا لضمان الحقيقة ] .
[ المنطق الصوري ينظم الاستدلال ولا يعصم الإدراك ] .

وعلى ضوء ذلك يمكننا تعريف المنطق الصوري بأنه [ العلم الذي يدرس الصورة المجردة للاستدلال ويضع القواعد المعيارية لتقويم صحة الانتقال من المقدمات إلى النتائج من حيث البنية الشكلية بمعزل عن مضمون القضايا وصدقها. ولذلك فهو معيار لسلامة الاستدلال الشكلي لا معيار لصدق المعرفة أو ضمانٍ لليقين؛ إذ قد ينشأ الخطأ من فساد المقدمات أو ضعف الأدلة أو سوء تطبيق قواعد الاستدلال أو تأثير التحيزات والقيود الإدراكية في تكوين المعرفة، فيظل الاستدلال صحيحاً من حيث صورته، بينما تكون النتيجة خاطئة من حيث مضمونها أو غير مطابقة للواقع ] .

زر الذهاب إلى الأعلى