الاستثمارات في قيرغيزستان: زخم النمو وتحدي الاستدامة

اجنادين نيوز / ANN
عبد الحميد حميد الكبي
كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان

تُعدّ اقتصاد قيرغيزستان أحد أبرز قصص النمو في آسيا الوسطى، حيث يقدم فرصاً استثمارية واعدة إلى جانب تحديات مهمة تتعلق بالاستدامة.

في النصف الأول من عام 2026، سجلت البلاد أداءً اقتصادياً قوياً، إذ بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي نحو 11.9% على أساس سنوي. يدعم هذا الزخم ارتفاع الاستثمارات والجهود الحكومية الملموسة لتحسين مناخ الاستثمار من خلال إصلاحات قانونية، وإنشاء مناطق استثمارية خاصة مثل منطقة تامتشي، وحوافز ضريبية، وتعزيز الشراكات الدولية.

بلغت استثمارات رأس المال الثابت من يناير إلى يونيو 2026 نحو 204.4 مليار سوم، مسجلة نمواً يقارب 1.64 مرةمقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفقاً لبيانات أولية من اللجنة الوطنية للإحصاء.

جاء هذا الارتفاع مدفوعاً بالمصادر المحلية (166.7 مليار سوم، بارتفاع 1.5 مرة) والمصادر الخارجية (37.6 مليار سوم، ×3.2). ويُلاحظ أن 55.8% من هذه الاستثمارات توجهت إلى بناء المساكن.
ومن المرجح أن تحويلات العمال القيرغيزيين في الخارج — خاصة في روسيا — تلعب دوراً مهماً في دعم هذا الازدهار العقاري. غالباً ما تُسجَّل هذه التدفقات كرأس مال محلي، مما يطمس الخط الفاصل بين الاستثمار المحلي purely والتأثير المالي الخارجي.

يتطلب هذا التركيز الشديد على القطاع العقاري تدقيقاً دقيقاً. فبينما يعكس طلباً حقيقياً مدفوعاً بنمو السكان والتحضر، إلا أنه يثير مخاوف مشروعة بشأن فقاعة عقارية محتملة، خاصة مع الارتفاع الحاد في التمويل الخارجي. والسؤال المركزي: هل تمثل هذه التدفقات استثمارات منتجة، أم تحمل مخاطر زيادة الضعف المالي الخارجي؟

في اقتصادات ناشئة مماثلة، أدى الاعتماد المفرط على القطاع العقاري أحياناً إلى اختلالات مالية. لذلك، يجب أن يكون هذا الخطر أولوية لصانعي السياسات.

يبدو توزيع الاستثمارات المتبقية أكثر توازناً: النقل 15.1%، التعدين 6.7%، الطاقة 4.7%، والتعليم والتصنيع 4.3%لكل منهما، رغم أن الاستثمار لا يزال مركزاً جغرافياً في بيشكيك وجلال أباد وإيسيك كول وتشوي.

يدعم هذا النمو كذلك صندوق الضمان (شركة مساهمة عامة)، الذي ساعد خلال العقد الماضي في تعبئة أكثر من 6.9 مليار سوم كقروض لـ232 شركة تصديرية، مع توجيه الغالبية نحو التصنيع والزراعة.

في عام 2025، حصلت الشركات المصدرة على ضمانات بقيمة 177.2 مليون سوم، مما أتاح تمويلاً بقيمة 478.7 مليون سوم. وفي الربع الأول من 2026، حصلت رائدات الأعمال على 32% من الضمانات، مساهمات في تعبئة أكثر من 15.3 مليار سوم لمشاريع
تقودها النساء إنجاز اجتماعي-اقتصادي مهم.

من أبرز المبادرات الواعدة مشروع الضمانات الخضراء بقيمة 59 مليون دولار، الذي أُطلق بالشراكة مع البنك الدولي (اتفاقية موقعة في 11 يونيو 2026)، ويستهدف الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والزراعة المستدامة.

بشكل عام، الأرقام مشجعة، والجهود الحكومية لتحسين بيئة الاستثمار واضحة. ومع ذلك، يحمل النموذج الحالي للنمو خطر «النمو غير المتوازن». فالاعتماد المفرط على القطاع العقاري والتمويل الخارجي قد ينتج مكاسب قصيرة الأجل على حساب الاستقرار طويل الأمد.

تمتلك قيرغيزستان حالياً زخماً استثمارياً حقيقياً. ولتحويل هذا الزخم إلى تنمية مستدامة وشاملة، ينبغي على صانعي السياسات:

– تخصيص 25% على الأقل من الاستثمارات العامة للمشاريع الخضراء في المناطق الريفية والنائية.
– تقليل الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي في القطاع العقاري وتوجيه المزيد من الموارد نحو التصنيع والتكنولوجيا.
– توسيع برامج دعم رائدات الأعمال لتصل إلى 40% خلال السنوات الثلاث المقبلة.
– وضع استراتيجية وطنية لتوزيع الاستثمارات بشكل أكثر عدلاً جغرافياً.

النمو جاري، ونافذة الفرصة مفتوحة. ستحدد السنوات القادمة ما إذا كانت قيرغيزستان ستنجح في تحويل هذا الارتفاع الاستثماري إلى تنمية حقيقية ومستدامة — أم أنه سيؤدي إلى اختلالات اقتصادية جديدة. المخاطر معروفة، والإمكانيات كبيرة، والخيار بيد صناع القرار.

زر الذهاب إلى الأعلى