قطار الذكاء الاصطناعي لا ينتظر المترددين

دروس من التجربة الصينية في بناء إنسان المعرفة

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين

هناك لحظات في التاريخ لا تكون مجرد تطورات عادية، بل تحولات تعيد تعريف طريقة تفكير الإنسان ومستقبل المجتمعات. والذكاء الاصطناعي اليوم يمثل واحدة من هذه اللحظات؛ فهو لم يعد مجرد تقنية جديدة تضاف إلى قائمة الابتكارات، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الاقتصاد والتعليم والصناعة والإدارة، ومن يبتعد عن هذا التحول قد يجد نفسه بعيداً عن مسار المستقبل.
عندما نتابع التجربة الصينية في هذا المجال، ندرك أن سر النجاح لم يكن في التكنولوجيا وحدها، بل في الفكرة التي تقف خلفها. فالصين لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره سباقاً للحصول على آلات أكثر تطوراً، بل باعتباره مشروعاً لبناء الإنسان وتعزيز المعرفة وتحويل العلم إلى قوة تخدم التنمية.
لقد أدركت الصين مبكراً أن الدول لا تُبنى فقط بما تمتلكه من موارد، بل بما تنتجه من أفكار وعقول وقدرات ابتكارية. ولهذا ارتبط مشروعها التنموي بالاستثمار في التعليم والبحث العلمي والصناعة والتكنولوجيا، ضمن رؤية طويلة المدى جعلت من المعرفة محوراً أساسياً لبناء المستقبل.
ومن هنا يمكن فهم التحولات التي شهدتها الصين خلال العقود الماضية، والتي انتقلت خلالها من مواجهة تحديات الفقر والتنمية إلى موقع عالمي متقدم في مجالات التكنولوجيا والابتكار. وقد ارتبط ذلك بنموذج “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية” الذي حاول الجمع بين التخطيط الاستراتيجي للدولة ومتطلبات الاقتصاد الحديث.
وقد أثارت التجربة الصينية الكثير من النقاشات الفكرية والسياسية حول العالم، لكن ما يستحق التوقف عنده هو قدرتها على تحويل الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج ملموسة في حياة المجتمع.
واليوم، تأتي رؤية الرئيس الصيني شي جين بينغ حول الذكاء الاصطناعي لتؤكد أن التكنولوجيا يجب ألا تكون مجرد أداة للمنافسة، بل وسيلة لخدمة الإنسان وتحقيق التنمية المشتركة. فالمستقبل الرقمي، وفق هذه الرؤية، يحتاج إلى تعاون دولي وتقاسم للمعرفة حتى لا تتحول الثورة التكنولوجية إلى فجوة جديدة بين الدول.
كما أن مبادرات الصين في مجالات التنمية العالمية والحوكمة العالمية تعكس توجهاً نحو تعزيز التعاون وبناء شراكات أوسع، خاصة مع الدول النامية التي تحتاج إلى فرص أكبر للمشاركة في الاقتصاد الرقمي.
وفي مجال التعليم، تقدم الصين درساً مهماً: التكنولوجيا لا تلغي دور الإنسان، بل تعيد تطوير هذا الدور. فالذكاء الاصطناعي أصبح أداة تساعد المعلم على إعداد المحتوى وتصميم الأنشطة وتحسين العملية التعليمية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الجانب الإنساني والتربوي الذي يقدمه المعلم.
وتبرز هنا تجربة الأكاديمي اليمني الدكتور مبخوت محمد أحمد العزي، أستاذ اللغة العربية في جامعة الدراسات الدولية ببكين، الذي يوظف الذكاء الاصطناعي في إعداد الدروس وتطوير المحتوى التعليمي، مع تأكيده أن التكنولوجيا تبقى أداة مساعدة للمعلم وليست بديلاً عنه.
هذه التجربة تحمل رسالة مهمة لليمن والعالم العربي: المعركة الحقيقية ليست امتلاك التكنولوجيا فقط، بل امتلاك العقول القادرة على استخدامها وإنتاجها. فالدول التي تريد دخول عصر الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى الاستثمار في الإنسان قبل الأجهزة، وفي التعليم قبل التطبيقات.
وفي اليمن، رغم التحديات الكبيرة، هناك حاجة إلى بناء رؤية جديدة تقوم على اقتصاد المعرفة. وقد جاء المؤتمر الدولي الأول للتحول الرقمي والابتكار والتنمية المستدامة في العاصمة المؤقتة عدن ليؤكد أن الجامعات اليمنية قادرة على الانفتاح على التحولات العلمية العالمية، وأن البحث العلمي والتعليم يمثلان مدخلاً أساسياً لأي نهضة مستقبلية.
إن التجربة الصينية تقدم للعالم العربي واليمن درساً واضحاً: لا يمكن اختصار المستقبل في شراء التكنولوجيا، لأن التكنولوجيا يمكن الحصول عليها، لكن العقول تحتاج إلى سنوات من البناء والتعليم والرعاية.
لقد انطلق قطار الذكاء الاصطناعي، ولن ينتظر أحداً. وفي هذا العصر لن تكون المنافسة بين من يملك الموارد فقط، بل بين من يملك المعرفة والقدرة على الابتكار.
ويبقى السؤال أمامنا جميعاً: هل سنكتفي بمتابعة الآخرين وهم يصنعون المستقبل، أم سنبدأ في بناء الإنسان القادر على أن يكون جزءاً من صناعته؟

زر الذهاب إلى الأعلى