هندسة القوة في المدارات العليا.. كيف يُصاغ اقتصاد العالم من خارج الأرض؟

أجنادين نيوز / ANN

بقلم/ نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين

لم يعد الفضاء ذلك العالم البعيد الذي ارتبط في أذهان الناس بصور رواد الفضاء والمهمات العلمية فقط، بل أصبح اليوم واحداً من أهم ميادين الصراع على المستقبل. فالصاروخ الذي ينطلق إلى المدار لم يعد مجرد إنجاز هندسي أو استعراض للقدرة العلمية، بل أصبح يحمل معه سؤالاً أكبر: من سيمتلك أدوات القوة في القرن الحادي والعشرين؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة مع الطرح الذي قدمه المهندس غسان جابر في مقاله: “الصين لا تطلق صاروخاً… إنها تنقل الاقتصاد العالمي إلى الفضاء”، حيث لا ينظر إلى المشروع الفضائي الصيني باعتباره نجاحاً تقنياً فقط، بل باعتباره جزءاً من تحول عالمي أوسع، تنتقل فيه مراكز النفوذ من الأرض إلى الفضاء، ومن امتلاك الموارد فقط إلى امتلاك المعرفة والتكنولوجيا.
فالفضاء لم يعد بعيداً عن تفاصيل حياتنا اليومية كما كان يعتقد البعض. فالكثير من الخدمات التي نعتمد عليها اليوم، من الاتصالات والملاحة إلى مراقبة الطقس والزراعة وإدارة الكوارث، أصبحت مرتبطة بالأقمار الصناعية والبيانات القادمة من الفضاء. ومن يمتلك هذه البنية التكنولوجية يمتلك قدرة أكبر على التأثير في الاقتصاد والسياسة والأمن.
لقد تغيرت مصادر القوة عبر التاريخ. كانت الأرض والثروات الزراعية أساس النفوذ في العصور القديمة، ثم أصبحت المصانع والطاقة عنوان القوة في العصر الصناعي، وبعد ذلك جاءت الثورة الرقمية لتجعل البيانات والتكنولوجيا والشبكات أدوات أساسية للسيطرة والتأثير. واليوم يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة، يصبح فيها الفضاء امتداداً طبيعياً للاقتصاد والمعرفة.
لكن اقتصاد الفضاء لا يعني فقط إطلاق الصواريخ أو بناء المحطات المدارية، بل يعني منظومة كاملة تبدأ من التعليم والبحث العلمي، مروراً بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وصولاً إلى تحويل البيانات إلى منتجات وخدمات واقتصاد حقيقي. ولهذا أصبحت البيانات توصف بأنها “نفط العصر الجديد”، لأنها تمنح من يمتلكها قدرة على قراءة الواقع واتخاذ القرارات وصناعة المستقبل.
كما أن الفضاء يفتح الباب أمام مجالات جديدة من الثروة. فهناك اهتمام متزايد بإمكانية الاستفادة مستقبلاً من الموارد الموجودة في بعض الكويكبات والأجرام السماوية، خاصة المعادن النادرة التي تدخل في الصناعات المتقدمة. ورغم أن هذا الأمر ما زال يواجه تحديات كبيرة، فإنه يعكس تحولاً في طريقة تفكير الإنسان حول مصادر الاقتصاد القادمة.
ومن أبرز النماذج التي تستحق التأمل التجربة الصينية، التي لم تتعامل مع الفضاء كمشروع منفصل، بل كجزء من رؤية شاملة لبناء قوة علمية وصناعية. فالصين تربط بين تطوير الجامعات، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والصناعة المتقدمة، لأن الوصول إلى الفضاء يبدأ قبل الصاروخ، يبدأ من بناء الإنسان.
إن مشاريع مثل تطوير صواريخ “لونغ مارش”، وتوسيع محطة “تيانغونغ” الفضائية، والطموح للوصول إلى القمر، تعكس رغبة صينية في الانتقال من موقع المشاركة في سباق الفضاء إلى موقع المنافسة على قيادة أحد أهم ميادين المستقبل.
لكن القضية ليست في الصاروخ وحده، فالصاروخ نتيجة لمنظومة كاملة من المعرفة والصناعة والقدرة البشرية. فكل تقدم فضائي يحتاج إلى مدارس وجامعات ومختبرات وشركات قادرة على تحويل العلم إلى قوة اقتصادية.
وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة التي قادت تاريخياً مراحل مهمة من التطور الفضائي والتكنولوجي، تواجه اليوم واقعاً دولياً جديداً مع ظهور منافسين قادرين على تحدي احتكارها التقليدي للعديد من مجالات التكنولوجيا. ولذلك أصبح الفضاء أحد ميادين المنافسة الكبرى بين القوى الصاعدة والقوى التي تسعى للحفاظ على مكانتها.
وهنا لا يتعلق الأمر بالصراع بين دولتين فقط، بل بانتقال العالم من نظام قوة واحد إلى نظام أكثر تعددية. فكما كانت البحار في مراحل تاريخية سابقة عنوان النفوذ، أصبحت المدارات الفضائية اليوم جزءاً من معادلة القوة العالمية.
أما الدول النامية، ومنها الدول العربية، فإن التحدي الحقيقي ليس الدخول في سباق إطلاق الصواريخ، بل بناء الأساس الذي يجعلها قادرة على الاستفادة من هذا العصر. فالمشاركة تبدأ من تطوير التعليم، ودعم البحث العلمي، واستخدام التقنيات الفضائية في التنمية، وبناء اقتصاد يعتمد على المعرفة.
العالم العربي يمتلك مقومات مهمة؛ من الموقع الجغرافي إلى الموارد والطاقة والقدرات البشرية، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة يتطلب مشروعاً حقيقياً يضع العلم والتكنولوجيا في مقدمة الأولويات.
فالاستقلال في العصر الحديث لم يعد مرتبطاً فقط بحماية الحدود، بل أصبح مرتبطاً بامتلاك القدرة على الإنتاج والابتكار وصناعة المعرفة. والدول التي لا تنتج التكنولوجيا ستظل تعتمد على الآخرين مهما امتلكت من ثروات.
إن التحول نحو اقتصاد الفضاء يقدم درساً واضحاً: المستقبل لن يكون لمن يملك الموارد فقط، بل لمن يعرف كيف يحول المعرفة إلى قوة.
لقد انتقلت البشرية من مرحلة الصراع على الأرض إلى مرحلة التنافس على العقول والمدارات. ومن يقرأ اتجاهات التاريخ مبكراً سيكون أكثر قدرة على صناعة موقعه في العالم الجديد.
فالسؤال لم يعد: من يصل إلى الفضاء؟ بل: من يمتلك القدرة على صياغة قواعد الاقتصاد الذي سيأتي من الفضاء؟

زر الذهاب إلى الأعلى