القطب الواحد يتقاسم الظل والصين ترسم ملامح نظام عالمي جديد

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين

كثيرون اليوم يرثون ما يسمى بـ“النظام الدولي”، ويطلقون سرديات جاهزة عن عالم متعدد الأقطاب أو فوضى تتصاعد على أنقاض هيمنة قديمة. لكن الحقيقة الأقل صخبًا والأكثر دقة هي أن القطب الواحد لم يختفِ بالكامل، لكنه فقد بريقه، وأصبح يتقاسم الظل مع قوى صاعدة، بينما تتشكل ملامح نظام دولي جديد أكثر عدلاً وتوازنًا.

فالولايات المتحدة لم تعد وحدها المتحكمة في خيوط المشهد الدولي. روسيا تعيد تعريف النفوذ بالقوة الصلبة، والاتحاد الأوروبي يحاول الحفاظ على دوره في ظل أزمات داخلية متراكمة. وفي قلب هذه التحولات، تواصل الصين صعودها الهادئ والثابت، ليس عبر منطق الهيمنة أو المواجهة، بل عبر إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي، والتكنولوجيا، مقدمة رؤية مختلفة للعولمة تقوم على التنمية المشتركة والمنفعة المتبادلة.

أخطر ما في هذه المرحلة ليس تعدد القوى بحد ذاته، بل غياب قواعد واضحة تنظم هذا التعدد. الصراع اليوم لم يعد فقط على الأرض والنفوذ، بل على من يكتب قواعد الاقتصاد، ومن يضع معايير التكنولوجيا، ومن يصوغ شكل النظام الدولي القادم.

وهنا يأتي دور الصين المحوري. فمن خلال مفهوم “مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية”، ومبادرات عملية مثل “الحزام والطريق”، تقدم الصين نموذجًا جديدًا للعلاقات الدولية قائمًا على الاحترام المتبادل، والتنمية السلمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بعيدًا عن منطق الإقصاء والهيمنة الأحادية. هذا الطرح يحظى بقبول متزايد في العالم العربي والشرق الأوسط، حيث تدفع المنطقة ثمناً باهظاً لغياب القواعد الواضحة.

في اليمن، على سبيل المثال، ظل الصراع لعقود يُدار ضمن منطق الهيمنة الأحادية، أما اليوم فالمشهد أكثر تعقيدًا مع تعدد الفاعلين. وفي هذا السياق، تبرز الصين كفاعل اقتصادي وتنموي لا كطرف في الصراع، مركّزة على الاستقرار، وإعادة الإعمار، والمشاريع طويلة الأمد، وهو ما يفتح نافذة أمل في منطقة مرهقة بالحروب.

الحقيقة الأهم أن العالم لا يعيش لحظة استقرار، بل لحظة انتقالية كبرى، تُكتب فيها قواعد الغد الآن. السلم لم يعد: من هو القطب القادم؟ بل: هل يستطيع العالم بناء نظام يتسع لتعدد القوى دون أن ينزلق إلى الفوضى؟ الصين تثبت عمليًا أن ذلك ممكن، من خلال الانفتاح، والتعاون، واحترام خصوصية المسارات الوطنية للتنمية.

في المحصلة، لم يمت القطب الواحد، لكنه لم يعد قادرًا على الانفراد بالظل. أما خريطة الغد، فما تزال قيد الكتابة… والصين، بقيمها ومبادراتها، تساهم اليوم في رسم ملامحها نحو مستقبل أكثر عدلاً وتوازنًا وسلامًا للبشرية جمعاء.

زر الذهاب إلى الأعلى