بين فك الارتباط وإزالة المخاطر.. كيف تعيد الصين صياغة قواعد المنافسة الاقتصادية؟

اجنادين نيوز / ANN
بقلم/نجيب الكمالي رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين.
في كل مرة تعلن فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها عن قيود جديدة على صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين، أو تكشف عن خطوات لإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، يتجدد سؤال يفرض نفسه على صناع القرار والاقتصاديين والمراقبين: هل يتجه العالم بالفعل نحو فك الارتباط بين أكبر اقتصادين في العالم، أم أننا أمام مرحلة جديدة يعاد فيها رسم قواعد المنافسة الاقتصادية؟
قد يبدو المشهد امتدادًا للحرب التجارية التي بدأت قبل سنوات، إلا أن قراءة التطورات المتلاحقة تكشف أن القضية تجاوزت الرسوم الجمركية والعجز التجاري. فالمنافسة اليوم تدور حول التكنولوجيا المتقدمة، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، وأمن سلاسل الإمداد، والاستثمار، والتشريعات الاقتصادية التي أصبحت جزءًا من أدوات النفوذ الاستراتيجي.
ومن خلال متابعة هذه التحولات من اليمن، حيث تتقاطع أهمية استقرار الاقتصاد العالمي مع تطلعات الدول النامية إلى شراكات تنموية أكثر توازنًا، تبرز الحاجة إلى قراءة المشهد بعيدًا عن الاستقطاب السياسي، والاقتراب من الحقائق الاقتصادية التي تعيد تشكيل النظام الدولي. فالعالم لا يعيش مجرد خلاف تجاري عابر، بل مرحلة انتقالية تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي، في وقت أصبحت فيه القرارات الاقتصادية للقوى الكبرى تمتد آثارها إلى مختلف الدول، بما فيها اقتصادات المنطقة العربية.
تنطلق الرؤية الغربية من قناعة بأن تقليل الاعتماد على الاقتصاد الصيني أصبح جزءًا من مفهوم الأمن الاقتصادي، لذلك برز مفهوم “إزالة المخاطر” بدلًا من “فك الارتباط”. ويعكس هذا التحول إدراكًا بأن الانفصال الكامل عن الصين ليس خيارًا عمليًا في ظل حجم التشابك الاقتصادي العالمي، بينما يُنظر إلى تنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على مورد واحد باعتباره هدفًا أكثر واقعية.
غير أن هذه المقاربة تعكس في الوقت ذاته اعترافًا ضمنيًا بالمكانة التي وصلت إليها الصين في الاقتصاد العالمي. فقد نجحت، خلال العقود الماضية، في بناء قاعدة صناعية متطورة، وشبكة إنتاج واسعة، ومنظومة لوجستية عالية الكفاءة، جعلتها شريكًا رئيسيًا في التجارة والاستثمار الدوليين. ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية طويلة المدى، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية، والبحث العلمي، والابتكار، وتنمية الموارد البشرية، وهو ما جعل الاقتصاد الصيني أحد أهم محركات النمو العالمي، وأسهم في توفير فرص تنموية واستثمارية لعدد كبير من الدول، ولا سيما الدول النامية.
ورغم التوجهات الغربية لإعادة توزيع سلاسل الإمداد، لا تزال الصين تحتفظ بموقع محوري في الاقتصاد العالمي بفضل قدراتها الصناعية وسوقها المحلية الكبيرة، الأمر الذي يجعل نقل القدرات الإنتاجية إلى دول أخرى عملية معقدة تحتاج إلى سنوات من الاستثمار وبناء البنية التحتية، ولا يمكن إنجازها في وقت قصير.
وفي المقابل، عززت بكين منظومتها القانونية لحماية أمنها الاقتصادي، عبر تطوير التشريعات الخاصة بمواجهة العقوبات الأجنبية، وتفعيل الأطر القانونية التي تحمي الشركات الصينية وسلاسل الإمداد، بما يعكس توجهاً استراتيجياً نحو تعزيز القدرة على مواجهة الضغوط الخارجية، والحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني في بيئة دولية تتزايد فيها المنافسة.
كما تدرك الصين أن الحفاظ على معدلات نموها الاقتصادي يتطلب تنويع مصادر الطاقة والمواد الخام، وتعزيز الابتكار، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، والاستثمار المستمر في الصناعات المتقدمة، وهو ما ينسجم مع رؤيتها للتنمية القائمة على الانفتاح والتعاون وتحقيق المصالح المشتركة.
وفي المقابل، لا يبدو الموقف الغربي موحدًا بالكامل؛ فالولايات المتحدة تتبنى نهجًا أكثر تشددًا، بينما تحاول دول أوروبية عديدة تحقيق توازن بين اعتبارات الأمن الاقتصادي والحفاظ على مصالحها التجارية والاستثمارية مع الصين، بما يعكس تباينًا واضحًا في الأولويات داخل الاقتصادات الغربية.
أما الشركات العالمية،فتجد نفسها أمام بيئة أكثر تعقيدًا، إذ أصبحت مطالبة بالتكيف مع منظومتين تنظيميتين متباينتين، الأمر الذي دفع كثيرًا منها إلى إعادة توزيع استثماراتها وتنويع مواقع الإنتاج بدلًا من الانسحاب الكامل من السوق الصينية، إدراكًا منها لأهمية هذا السوق وحجمه وتأثيره في الاقتصاد العالمي
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد أكثر من اتجاهه إلى فك ارتباط شامل بين الصين والغرب. فالتشابك الاقتصادي الذي بُني عبر عقود يجعل الانفصال الكامل خيارًا مرتفع الكلفة على جميع الأطراف، بينما تبدو إعادة التوازن وإدارة المخاطر السيناريو الأكثر واقعية خلال السنوات المقبلة
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت المنافسة بين الصين والغرب ستستمر، فهي أصبحت حقيقة راسخة في المشهد الدولي، وإنما كيف ستُدار هذه المنافسة بما يحافظ على استقرار الاقتصاد العالمي ويحد من آثارها على الدول النامية وبين المنافسة والتعاون تواصل الصين تقديم نموذج يقوم على التنمية والانفتاح وتعزيز الترابط الاقتصادي الدولي، بما يجعلها طرفًا أساسيًا في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي. ويبدو أن المرحلة المقبلة ستكون عنوانها إعادة التوازن، لا القطيعة الكاملة، والتنافس المسؤول، لا الصدام الاقتصادي المفتوح




