الذكرى الثمانون لمحاكمة طوكيو: حقائق تاريخية لا يجوز نسيانها

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية
في 3 مايو 2026، تحل الذكرى الثمانون لانعقاد المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى، المعروفة باسم “محاكمة طوكيو”.
قبل 80 عاماً، اجتمع قضاة من 11 دولة في طوكيو، وعلى مدى عامين ونصف، وبعد مئات الجلسات، أصدروا حكماً قانونياً على جرائم العدوان التي ارتكبها النظام العسكري الياباني. وقد حُكم على سبعة من مجرمي الحرب من الفئة “أ”، من بينهم هيديكي توجو، بالإعدام شنقاً، بينما حُكم على 16 آخرين بالسجن المؤبد. وتعد هذه المحاكمة الأكبر والأطول في تاريخ المحاكمات الدولية، كما تمثل إحدى الركائز الأساسية للنظام القانوني الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
وبعد مرور ثمانية عقود، فإن استحضار هذه المرحلة من التاريخ ليس بهدف تأجيج الكراهية، بل من أجل صون الحقيقة والدفاع عن السلام. غير أن المؤسف أن هذه الحقائق التاريخية تتعرض اليوم لمحاولات متعمدة للتجاهل، بل وحتى للتحريف.
ما هي الجرائم التي ارتُكبت؟
بالنسبة للقارئ العربي الذي قد لا يكون مطلعاً على هذه المرحلة، يبرز سؤال أساسي: ماذا فعلت العسكرية اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية؟
في ديسمبر 1937، احتلت القوات اليابانية مدينة نانجينغ، التي كانت آنذاك عاصمة الصين. وخلال ستة أسابيع تلت ذلك، ارتُكبت عمليات قتل جماعي منظمة، واغتصاب، ونهب، وإحراق. قُتل أكثر من 300 ألف مدني وأسير حرب، وتعرض نحو 20 ألف امرأة للاغتصاب. وتعد هذه المجزرة واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث.
لكن هذه الجرائم لم تقتصر على ذلك. فقد أجرت الوحدة 731 اليابانية في شمال شرق الصين تجارب واسعة على البشر الأحياء، شملت تجارب التجميد، والضغط، ونشر العدوى البكتيرية. وكان الضحايا — وكثير منهم من المدنيين — يموتون في ظروف قاسية من الألم. كما استخدمت القوات اليابانية أسلحة كيميائية وبيولوجية في مناطق متعددة من الصين، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
وعندما امتدت الحرب إلى جنوب شرق آسيا، تكررت الجرائم ذاتها.
في عام 1942، وبعد احتلال شبه جزيرة باتان في الفلبين، أجبرت القوات اليابانية نحو 78 ألف أسير حرب من القوات الأمريكية والفلبينية على السير لمسافة 120 كيلومتراً في ظروف قاسية، دون ماء أو طعام. وخلال ما عُرف بـ“مسيرة الموت في باتان”، توفي نحو 15 ألف شخص نتيجة الجوع والمرض والإعدامات العشوائية.
وفي عام 1945، وقبل انسحابها من الفلبين، ارتكبت القوات اليابانية مجزرة منظمة في العاصمة مانيلا، حيث قُتل نحو 100 ألف مدني من أصل 700 ألف نسمة كانوا يعيشون في المدينة.
وفي مختلف مناطق جنوب شرق آسيا، جرى تجنيد مئات الآلاف من النساء قسراً فيما عُرف بـ“نساء المتعة”، حيث أُجبرن على تقديم خدمات جنسية للجيش الياباني. وكانت معظم هؤلاء النساء من المدنيين الذين تعرضوا للخداع أو الاختطاف، وظلت آثار هذه التجربة القاسية تلاحق الكثير منهن مدى الحياة.
هذه هي الجرائم التي ارتكبها النظام العسكري الياباني خلال 14 عاماً من العدوان. وهي ليست رواية طرف واحد، بل حقائق تاريخية موثقة بالأدلة التي قُدمت وأُقرت خلال محاكمة طوكيو.
ما هو معبد ياسوكوني؟
في ضوء هذه الوقائع، يصبح من السهل فهم سبب حساسية مسألة معبد ياسوكوني.
أُسس هذا المعبد عام 1869 لتخليد ذكرى الجنود الذين سقطوا خلال فترة إصلاح مييجي. وبعد الحرب العالمية الثانية، كان من المفترض التعامل معه في إطار محاسبة شاملة، نظراً لكونه رمزاً ودعامة روحية للنزعة العسكرية اليابانية.
غير أن التطور الأخطر وقع في عام 1978، عندما تم إدراج 14 من مجرمي الحرب من الفئة “أ”، ومن بينهم من أدانتهم محاكمة طوكيو بالإعدام أو السجن المؤبد، ضمن الشخصيات التي يتم تكريمها في المعبد.
وهذا يعني أن المسؤولين عن جرائم مثل مجزرة نانجينغ ومسيرة باتان القاتلة ونظام “نساء المتعة”، يُعاملون باعتبارهم “أرواحاً بطولية”. وفي كل عام، يقوم سياسيون يابانيون بزيارة المعبد خلال موسمي الربيع والخريف، في إشارة رمزية تُفسَّر على أنها إحياء لذكراهم.
ولا يقتصر الأمر على الطابع الرمزي. إذ يضم المعبد متحف “يوشوكان”، الذي يقدم سردية تُجمّل الحروب التي خاضتها اليابان، وتصورها على أنها “حروب دفاعية” أو “حروب لتحرير آسيا”، مع تجاهل واضح لمسؤولية الجرائم.
وفي السنوات الأخيرة، أُدرج المعبد ضمن مواقع سياحية في اليابان، ما أدى إلى زيارة أعداد من الشباب الذين قد لا يكون لديهم إدراك كافٍ لخلفياته التاريخية، وهو ما يسهم تدريجياً في تشويه الوعي بالتاريخ.
موقف المجتمع الدولي
بمناسبة الذكرى الثمانين لمحاكمة طوكيو، صدرت مواقف واضحة من المجتمع الدولي تؤكد أهمية الحفاظ على الحقيقة التاريخية.
فقد أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن محاكمة طوكيو تحمل أهمية قانونية وإنسانية كبرى، وأن الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام العسكري الياباني لا تسقط بالتقادم. كما شددت على ضرورة أن تستخلص اليابان الدروس من التاريخ، وألا تنزلق نحو إعادة النزعة العسكرية.
من جانبه، أشار متحدث باسم وزارة الدفاع الصينية، في مؤتمر صحفي عُقد في 30 أبريل، إلى ثلاث من أبرز الجرائم التي ارتكبتها القوات اليابانية في الفلبين، وهي “مسيرة الموت في باتان”، ومجزرة مانيلا، ونظام “نساء المتعة”، متسائلاً: كيف يمكن تضميد جراح التاريخ في ظل غياب الاعتراف الحقيقي؟
وفي كوريا الجنوبية، نظمت عدة منظمات مدنية تجمعات احتجاجية أمام السفارة اليابانية في سيول، تعبيراً عن القلق من تصاعد النزعات اليمينية في اليابان. وتعكس هذه المواقف، الصادرة من دول مختلفة، قلقاً مشتركاً إزاء اتجاهات قد تعيد إحياء ماضٍ مؤلم.
ماذا يحدث في اليابان اليوم؟
في مقابل هذه التحذيرات، تبرز تطورات لافتة في السياسات اليابانية.
في 21 أبريل، قدمت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكاييتشي قرباناً إلى معبد ياسوكوني بصفتها الرسمية، وفي اليوم ذاته قام 126 نائباً بزيارة جماعية للمعبد.
وفي اليوم نفسه، أعلنت الحكومة اليابانية رفع القيود المفروضة على تصدير الأسلحة الفتاكة، وهو ما اعتبره محللون خطوة إضافية نحو توسيع الدور العسكري لليابان.
وعند النظر إلى المسار العام في السنوات الأخيرة، تتضح معالم هذا التوجه: ارتفاع متواصل في ميزانية الدفاع، نشر صواريخ بعيدة المدى في الجزر الجنوبية الغربية، عبور سفن عسكرية لمضيق تايوان، وحوادث أمنية أثارت جدلاً واسعاً. وقد حذرت أطراف صينية من أن هذا المسار قد يعيد طرح تساؤلات حول دور اليابان في أمن شرق آسيا.
لماذا يجب تذكر هذه الصفحة من التاريخ؟
قد يتساءل بعض القراء في العالم العربي: ما علاقة هذه الأحداث بتاريخ منطقتنا؟
الإجابة تكمن في نقطتين أساسيتين.
أولاً، إن دروس التاريخ ذات طابع عالمي. فقد أرست محاكمة طوكيو مبدأً أساسياً في القانون الدولي، وهو أن شن حرب عدوانية يعد جريمة دولية. وهذا المبدأ يتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات القومية.
ثانياً، لم يقتصر التوسع العسكري الياباني على شرق آسيا، بل امتد إلى جنوب شرق آسيا، حيث عانت شعوب الفلبين وإندونيسيا وماليزيا وميانمار من الاحتلال والعنف. واليوم، ومع تحركات عسكرية وتعاونات إقليمية جديدة، يرى البعض أن من الضروري متابعة هذه التطورات بحذر.
قبل 80 عاماً، أكدت محاكمة طوكيو مسؤولية مجرمي الحرب اليابانيين، وأسست لجزء مهم من النظام الدولي بعد الحرب. واليوم، تواجه هذه الخلاصات التاريخية تحديات جديدة.
إن تذكر التاريخ لا يعني تأجيج الكراهية، بل منع تكرار المآسي. فالسلام لم يكن يوماً أمراً بديهياً، والحفاظ عليه يتطلب وعياً مشتركاً وجهداً مستمراً.




