المشكلة في إسرائيل ليست إيران… بل انتهاء مفعول الفكرة

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر

في الشرق الأوسط اعتدنا أن نطرح السؤال الخطأ.

نسأل دائماً: هل تخاف إسرائيل من إيران؟ هل تخاف من غزة؟ هل تخاف من حزب الله؟ وهل ما زالت تمتلك القدرة على حسم المعارك التي تخوضها على أكثر من جبهة؟

لكن السؤال الحقيقي الذي بدأ يفرض نفسه اليوم ليس عسكرياً، بل فكري وسياسي بامتياز:

هل بدأت الفكرة التي قامت عليها إسرائيل تفقد قدرتها على إقناع أصحابها؟

على امتداد أكثر من سبعة عقود قامت الحركة الصهيونية على وعد بسيط وواضح: الأمن. قيل لليهود في أنحاء العالم إن هذه الدولة ستكون الملاذ الآمن، والمكان الذي يوفر الاستقرار والحماية والمستقبل. ومن أجل هذا الوعد هاجر الملايين، وخيضت الحروب، وصرفت المليارات، وبنيت المؤسسات العسكرية والأمنية التي تحولت إلى جزء أساسي من هوية الدولة.

لكن الدول لا تواجه أخطر أزماتها عندما تتعرض للهجوم من الخارج، بل عندما يبدأ مواطنوها بطرح أسئلة لم يكونوا يجرؤون على طرحها من قبل.

وهذا ما نشهده اليوم داخل إسرائيل.

ففي الوقت الذي ما زالت فيه إسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً، تتسع الانقسامات السياسية والاجتماعية بصورة غير مسبوقة. وتتحول الانتخابات من منافسة سياسية طبيعية إلى معركة وجودية، ويزداد التوتر بين الحكومة والمؤسسات القضائية والأمنية، وتتعمق الفجوة بين المتدينين والعلمانيين، وبين اليمين واليسار، وبين من يؤمنون بمستقبل الدولة ومن باتوا يشككون في الاتجاه الذي تسير نحوه.

المفارقة أن إسرائيل تبدو اليوم أقوى من كثير من خصومها، لكنها أقل ثقة بنفسها مما كانت عليه في أي مرحلة سابقة.

فالقوة العسكرية تستطيع ردع الخصوم، لكنها لا تستطيع معالجة أزمة ثقة داخلية.

والتفوق التكنولوجي قادر على إنتاج أسلحة أكثر تطوراً، لكنه لا يستطيع إنتاج إجماع وطني عندما تتصدع أسس التوافق داخل المجتمع.

أما الدعم الدولي، مهما بلغ حجمه، فلا يستطيع تعويض التراجع التدريجي في إيمان الناس بالرواية التي جمعتهم منذ البداية.

ولهذا السبب لم يعد السؤال المركزي داخل إسرائيل: كيف ننتصر؟

بل أصبح: إلى أين نحن ذاهبون؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً عابراً في تاريخ الدول.

فالإمبراطورية الرومانية لم تسقط لأنها واجهت أعداء أقوياء فحسب، بل لأنها فقدت تدريجياً قدرتها على إدارة تناقضاتها الداخلية.

والاتحاد السوفيتي لم ينهزم في حرب فاصلة، بل انهار عندما فقد مواطنوه الثقة بالرواية التي قامت عليها الدولة.

وحتى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا لم يسقط بسبب هزيمة عسكرية، بل لأن الفكرة التي منحته الشرعية فقدت قدرتها على الاستمرار.

ولذلك فإن قراءة المشهد الإسرائيلي اليوم يجب أن تتجاوز متابعة الأحداث اليومية والأزمات السياسية المتلاحقة.

القضية الأهم هي أن المجتمع الإسرائيلي بدأ يواجه أسئلة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبقدرتها على الحفاظ على التوازن بين الأمن والديمقراطية، وبين القوة العسكرية والاستقرار الداخلي، وبين التوسع الاستيطاني ومتطلبات الشرعية الدولية.

لقد نجحت إسرائيل لعقود في إقناع العالم بأنها دولة قوية، لكنها تجد نفسها اليوم أمام تحدٍ أكثر صعوبة: إقناع الإسرائيليين أنفسهم بأن المستقبل ما زال واضحاً وآمناً كما كان يوماً.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالدول لا تنهار عندما تخسر معركة.

ولا تتراجع عندما تواجه أزمة سياسية عابرة.

بل تبدأ أزماتها الكبرى عندما يتآكل الإيمان بالفكرة المؤسسة التي قامت عليها.

ولهذا فإن الخطر الأكبر الذي تواجهه إسرائيل اليوم ليس إيران، ولا غزة، ولا لبنان، ولا أي خصم خارجي.

الخطر الحقيقي هو أن الوعد الذي قامت عليه الدولة منذ تأسيسها، وهو وعد الأمن والاستقرار والمستقبل الأفضل، لم يعد يبدو بالوضوح نفسه الذي كان عليه في السابق.

لكن الفلسطيني الذي يقرأ المشهد بعقل بارد لا يجب أن يقع في وهمين متناقضين: وهم أن إسرائيل دولة لا تُهزم، ووهم أنها على وشك الانهيار.

فالحقيقة أن الصراع لا يُحسم بالأماني، ولا بالشعارات، ولا بانتظار أخطاء الخصم.

الصراع تحسمه قدرة الشعوب على قراءة التحولات التاريخية واستثمارها.

وما نشهده اليوم ليس سقوط إسرائيل، بل بداية مرحلة تطرح فيها أسئلة لم تكن تُطرح من قبل داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

أما السؤال الأهم بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين، فليس ماذا يحدث داخل إسرائيل فقط، بل هل نحن مستعدون لاستثمار ما يحدث؟

هل نملك مشروعاً وطنياً قادراً على تحويل التحديات التي يواجهها خصمنا إلى فرص سياسية لشعبنا؟

وهل نستطيع أن نبني وحدتنا ومؤسساتنا ورؤيتنا للمستقبل بالقدر نفسه الذي ننشغل فيه بمتابعة أزمات الآخرين؟

فالتاريخ لا يمنح الفرص للشعوب الأكثر انتظاراً، بل للشعوب الأكثر استعداداً.

ومن هنا يبدأ التحدي الحقيقي.

م. غسان جابر – القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

زر الذهاب إلى الأعلى