الخليل وبكين: ماذا لو فكرت الصين بمدينة الخليل كعاصمة اقتصادية فلسطينية؟

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر – الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين
بينما ينظر كثيرون إلى الخليل باعتبارها مدينة محاصرة بالحواجز والاحتلال والأزمات الاقتصادية، قد تنظر إليها الصين يومًا بطريقة مختلفة تمامًا:
مدينة تملك كل المقومات الخام لكي تتحول إلى العاصمة الاقتصادية الفلسطينية الأهم في الشرق الأوسط.
قد تبدو الفكرة للبعض أقرب إلى الخيال السياسي، لكن العالم نفسه سخر يومًا من الصين حين بدأت تتحدث عن تحويل قرية صغيرة تُدعى شينزن إلى مركز اقتصادي عالمي.
بعد عقود قليلة فقط، تحولت تلك القرية إلى واحدة من أهم المدن الصناعية والتكنولوجية على وجه الأرض، وأصبحت تنافس كبريات العواصم الاقتصادية العالمية.
الصين لا تنظر إلى المدن بعين السياسي التقليدي، بل بعين المهندس الاقتصادي.
هي لا تسأل فقط: من يحكم هذه المدينة؟
بل تسأل:
ما الذي تستطيع هذه المدينة أن تنتجه؟
كم تملك من الطاقة البشرية؟
وهل تمتلك ثقافة عمل حقيقية؟
وهل يمكن تحويل معاناتها إلى فرصة استراتيجية؟
ولو نظرت بكين يومًا إلى الخليل بهذه العقلية، فقد ترى ما لا يراه كثيرون.
قد ترى مدينة تمتلك واحدة من أقوى البنى التجارية الفلسطينية.
مدينة لم تتوقف عن الإنتاج حتى في أصعب الظروف.
مدينة تعيش تحت الاحتلال، لكنها لم تفقد غريزة السوق، ولا روح المبادرة، ولا القدرة على البقاء.
الخليل ليست مجرد مدينة كبيرة في جنوب فلسطين؛ إنها عقل اقتصادي كامل لم يُستثمر بعد كما يجب.
فهنا توجد المصانع، والحرف التقليدية، وشبكات التجارة، ورأس المال المحلي، والأسواق الممتدة من الخليج إلى أوروبا، إضافة إلى ثقافة اجتماعية تؤمن بأن العمل ليس خيارًا ثانويًا، بل جزء من الكرامة والهوية.
وربما لهذا السبب تحديدًا، قد تجد الصين في الخليل شريكًا اقتصاديًا منطقيًا أكثر من أي مدينة أخرى.
فالعقل التجاري الخليلي يشبه، بطريقة مثيرة للاهتمام، العقل الاقتصادي الصيني:
العمل بصمت،
التوسع التدريجي،
الاعتماد على الإنتاج،
والإيمان بأن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالخطب السياسية، بل بالمصانع والأسواق وسلاسل التوريد.
لكن السؤال الأخطر ليس: هل يمكن أن تهتم الصين بالخليل؟
بل: ماذا يمكن أن يحدث لو فعلت ذلك فعلًا؟
تخيل فقط لو دخلت الصين في مشروع استراتيجي طويل الأمد داخل المدينة:
مناطق صناعية ذكية
مراكز لوجستية حديثة
مصانع تجميع وتكنولوجيا
بنية رقمية متطورة
استثمارات في الذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية
شبكات طاقة شمسية
مراكز تدريب مهني وتقني مرتبطة بالسوق الآسيوي
وربط اقتصادي مباشر مع مشروع مبادرة الصين الطريق و الحزام
حينها، لن تكون الخليل مجرد مدينة فلسطينية تعاني من الأزمات، بل قد تتحول إلى بوابة اقتصادية فلسطينية نحو الشرق.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
فالاحتلال لا يمنع الفلسطينيين فقط من الحركة؛ بل يمنع أيضًا ولادة مركز اقتصادي إقليمي كان يمكن أن يخلق استقرارًا وفرصًا ونفوذًا اقتصاديًا يتجاوز حدود فلسطين نفسها.
العالم اليوم لم يعد يتحرك بالشعارات فقط.
القوة الحديثة أصبحت تُقاس بالموانئ، والطاقة، والبيانات، والتكنولوجيا، وسرعة الاتصال بالعالم.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بالصراعات اليومية، تعمل الصين على إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي بهدوء يشبه حركة الماء: بطيئة ظاهريًا… لكنها قادرة على تغيير شكل الصخور نفسها مع الوقت.
لكن الحقيقة المؤلمة أن المشكلة ليست في غياب الفرص فقط، بل في طريقة تفكيرنا نحن أيضًا.
فنحن ما زلنا، في كثير من الأحيان، نتعامل مع الخليل باعتبارها مدينة تُدير أزماتها اليومية، لا مدينة يمكن أن تقود مشروعًا اقتصاديًا وطنيًا كاملًا.
نتحدث عن السياسة أكثر مما نتحدث عن الاقتصاد.
عن الانقسام أكثر مما نتحدث عن التكنولوجيا.
وعن النجاة اليومية أكثر مما نتحدث عن صناعة المستقبل.
بينما المدن التي تغيّر التاريخ لا تنتظر الظروف المثالية.
بل تخلق لنفسها مكانًا داخل التحولات الكبرى.
الخليل تملك شيئًا نادرًا لا يمكن استيراده من الخارج:
ثقافة اقتصادية متجذرة في الناس أنفسهم.
وهذه الثقافة، إذا اقترنت برؤية وطنية حديثة، وانفتاح عالمي ذكي، وشراكات اقتصادية استراتيجية، فقد تجعل من المدينة مركز ثقل اقتصادي فلسطيني حقيقي خلال العقود القادمة.
وربما لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل تستحق الخليل أن تكون عاصمة اقتصادية فلسطينية؟
بل:
هل نحن مستعدون أصلًا لأن نؤمن بأن لدينا مدينة قادرة على أن تصبح شيئًا أكبر بكثير مما اعتدنا أن نراه؟
فبعض المدن تُستهلك في الحاضر حتى تموت ببطء،
وبعضها الآخر يقرر فجأة أن يتحول من ضحية للجغرافيا… إلى صانع للتاريخ.
وربما لم تعد معركة الخليل القادمة فقط مع الاحتلال،
بل مع قدرتها على أن تؤمن بأنها خُلقت لتقود الاقتصاد الفلسطيني… لا لتكتفي بالبقاء على قيد الحياة.
م. غسان جابر – فلسطين



