من ماذا يفعل العدو إلى كيف نصنع مستقبلنا

اجنادين نيوز / ANN
بقلم نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
في العالم العربي، اعتدنا طويلًا أن تبدأ الحكايات من الحرب وتنتهي عندها. اعتدنا أن ننظر إلى أنفسنا من خلال ما يفعله الآخرون بنا، لا من خلال ما نستطيع نحن أن نفعله بأنفسنا. صار الاحتلال محور التفكير، والصراع مركز اللغة، والهزيمة إطارًا ثابتًا للوعي الجمعي، حتى بدا وكأن المستقبل نفسه مؤجل إلى أجل غير معلوم.
لكن وسط هذا الضجيج السياسي الطويل، تظهر أحيانًا نصوص لا تكتفي بوصف الجرح، بل تحاول أن تسأل: ماذا بعد؟ كيف يمكن لشعوب أنهكتها الحروب أن تستعيد قدرتها على التفكير بالمستقبل لا بالبقاء فقط؟ وكيف يمكن للعرب أن ينتقلوا من موقع الضحية الدائمة إلى موقع الشريك في صناعة العالم القادم؟
في هذا السياق، يكتب غسان جابر وهو يوجّه سهامه نحو الاحتلال، متأملًا ومفككًا ومقاومًا بالكلمة والقلم، لكنه لا يتوقف عند حدود توصيف المأساة أو إعادة إنتاج خطاب الغضب التقليدي، بل يفتح نافذة واسعة نحو المستقبل، محاولًا نقل القارئ من سؤال ماذا يفعل العدو بنا إلى سؤال أكثر عمقًا وجرأة يتعلق بما يمكن أن تفعله الشعوب بنفسها لبناء اقتصادها ومعرفتها وحضورها في عالم يتغير بسرعة وتُعاد فيه صياغة موازين القوة والنفوذ.
ومن هنا بدا مقاله المعنون حين تتحدث الصين عن فلسطين فهي لا تتحدث عن الماضي بل عن النظام العالمي القادم مختلفًا عن كثير من النصوص السياسية التي اعتادت الدوران داخل دائرة المأساة، دون محاولة قراءة ما يجري في العالم من تحولات استراتيجية عميقة.
المقال لا يتحدث فقط عن الصين أو فلسطين، بل يحاول تفكيك شكل العالم الجديد الذي يتكوّن بهدوء بعيدًا عن الضجيج السياسي المعتاد. عالم لم تعد القوة فيه تُقاس فقط بعدد الطائرات والأساطيل العسكرية، بل بحجم الاقتصاد، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، وشبكات التجارة، والقدرة على بناء النفوذ طويل المدى.
ومن هنا يربط الزميل غسان جابر بين الحضور الصيني المتزايد في الشرق الأوسط وبين مبادرة الحزام والطريق، باعتبار أن المنطقة لم تعد مجرد ساحة صراع سياسي، بل عقدة استراتيجية داخل شبكة اقتصادية عالمية تعيد تشكيل النظام الدولي. فبينما اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية لعقود طويلة على حضورها العسكري المباشر، تتحرك الصين بطريقة مختلفة تقوم على الاستثمار، والموانئ، والطاقة، والتجارة، وربط الاقتصادات ببعضها البعض.
لكن ما يمنح المقال قيمته الحقيقية ليس توصيفه للتحولات الدولية فقط، بل نقده المباشر للعقل السياسي العربي والفلسطيني الذي ما يزال، في كثير من الأحيان، أسير ردود الفعل اليومية والانشغال الدائم بما يفعله الخصوم، أكثر من انشغاله ببناء المشاريع الوطنية الكبرى.
وهنا يطرح الزميل غسان جابر سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه شديد العمق في مضمونه: لماذا ما زلنا نعيش داخل عقلية إدارة الأزمات، بدل الانتقال إلى عقلية صناعة المستقبل؟
هذا السؤال لا يخص فلسطين وحدها، بل يكاد يلامس واقع معظم المجتمعات العربية، ومنها اليمن التي استنزفتها الحروب والانقسامات طوال سنوات طويلة. ففي خضم الصراع، انشغل الجميع بالمعارك السياسية والعسكرية، بينما تراجعت الأسئلة المرتبطة بالتنمية والتعليم والاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية.
كم مرة امتلأت الشاشات بالنقاشات حول الحرب والأطراف المتصارعة، مقابل غياب شبه كامل للحديث عن الاقتصاد الرقمي، أو تطوير الموانئ، أو بناء منظومات تعليم حديثة، أو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة البديلة والتقنيات الجديدة؟
المشكلة الحقيقية ليست فقط في وجود الحروب، بل في أن الحروب تحولت إلى مركز دائم للتفكير العربي، حتى أصبحت المجتمعات تستهلك طاقتها بالكامل في تفسير الصراع، بدل التفكير فيما بعد الصراع.
وهنا تبدو أهمية الطرح الذي يقدمه الزميل غسان جابر؛ فهو لا يطرح خطابًا عاطفيًا أو شعاراتيًا، بل يدعو إلى إعادة تعريف مفهوم المقاومة ذاته. فالمقاومة، في معناها الأوسع، ليست مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية، بل القدرة على بناء الإنسان، وصناعة المعرفة، وتطوير الاقتصاد، وامتلاك أدوات التكنولوجيا، وبناء دولة قادرة على الاستمرار داخل عالم شديد التغير.
إنه يدعو إلى بناء مدن منتجة بدل المدن المستهلكة، وتعليم تقني بدل التعليم القائم على التلقين، واقتصادات مرتبطة بالإنتاج والمعرفة لا بالمساعدات والأزمات، وبنية رقمية تجعل المجتمعات جزءًا من الاقتصاد العالمي الجديد لا مجرد متفرج عليه.
وفي الحقيقة، فإن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا النوع من المقالات هو أنه يصدر من داخل واقع مليء بالحصار والمعاناة والاحتلال، ومع ذلك يكتب بعقل يفكر بالمستقبل لا بالهزيمة. وهذه ربما واحدة من أهم الرسائل التي يحتاجها العالم العربي اليوم؛ أن الخروج من دائرة الانهيار لا يبدأ فقط بإيقاف الحروب، بل بإعادة بناء طريقة التفكير نفسها.
العالم يتغير بسرعة، وموازين القوة لم تعد كما كانت قبل عقود. والدول التي ستنجح في المستقبل ليست تلك التي ترفع الشعارات الأعلى أو تكرر خطاب المظلومية باستمرار، بل تلك التي تستثمر في الإنسان، والتعليم، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والرؤية بعيدة المدى.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يفعل العدو بنا؟
بل: ماذا نفعل نحن بمستقبلنا؟



