من سور الصين العظيم إلى جدار الفصل العنصري كيف تنظر بكين إلى القضية الفلسطينية؟

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر – الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين رئيس فرع فلسطين

هناك فرقٌ هائل بين جدار يُبنى خوفًا من الغزو، وجدار يُبنى لإدارة حياة شعبٍ كامل تحت الاحتلال.

فسور الصين العظيم، رغم ما يحمله من رمزية تاريخية، بُني في عقل الإمبراطورية الصينية القديمة بوصفه وسيلة دفاع عن الحدود وحماية للدولة من الانهيار.
أما جدار الفصل العنصري في فلسطين، فلم يُبنَ فقط للفصل الجغرافي، بل لإعادة تشكيل السياسة، والديمغرافيا، والاقتصاد، وحتى الحياة اليومية للفلسطينيين.

ومن هنا تحديدًا، تبدأ الصين في قراءة القضية الفلسطينية بطريقة تختلف عن كثير من القوى الكبرى.

فبكين لا تنظر إلى فلسطين فقط من زاوية الصراع التقليدي بين طرفين، بل باعتبارها واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في النظام الدولي الحديث، لأنها تختبر معنى السيادة، وحدود القوة، ومصداقية القانون الدولي، وفكرة العدالة نفسها.

الصين، التي عاشت قرونًا طويلة وهي تحاول حماية وحدتها واستقرارها، تنظر بعين حساسة جدًا إلى قضايا الأرض والسيادة والحدود.
ولهذا، فإن خطابها السياسي تجاه فلسطين يبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى خطاب “الدولة” لا خطاب “الثورة”.

هي لا تتحدث بلغة الشعارات الحماسية، بل بلغة الاستقرار، والشرعية الدولية، ورفض الفوضى طويلة الأمد.

لكن خلف هذا الهدوء الدبلوماسي، توجد حسابات أعمق بكثير.

فالصين تدرك أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد ملف شرق أوسطي، بل أصبحت رمزًا عالميًا لازدواجية المعايير الدولية.
العالم الذي يتحدث عن حقوق الإنسان، ويطالب بتطبيق القانون الدولي في أماكن معينة، ثم يصمت أو يتردد حين يتعلق الأمر بفلسطين.

وبالنسبة لبكين، فإن هذه الازدواجية ليست مجرد مشكلة أخلاقية؛ بل مشكلة استراتيجية أيضًا.

لأن الصين تسعى منذ سنوات إلى تقديم نفسها كقوة عالمية مختلفة عن النموذج الغربي التقليدي.
قوة تقول للعالم إنها لا تريد فرض الهيمنة العسكرية، بل بناء نظام دولي “متعدد الأقطاب”، لا تتحكم به دولة واحدة، ولا تُدار فيه القوانين وفق ميزان المصالح فقط.

ولهذا، حين تتحدث الصين عن فلسطين، فهي في الحقيقة تتحدث أيضًا عن شكل العالم الذي تريد أن تراه في المستقبل.

لكن من الخطأ الاعتقاد أن بكين تتحرك بدافع عاطفي فقط.
فالصين دولة تفكر بعقل الاقتصاد قبل أي شيء آخر.

والشرق الأوسط بالنسبة لها ليس مجرد مساحة سياسية مضطربة، بل شريان حيوي للطاقة والتجارة والممرات البحرية والأسواق الكبرى.
وأي انفجار دائم في المنطقة يهدد بشكل مباشر مصالح الصين الاقتصادية ومشاريعها العملاقة، وعلى رأسها
مبادرة الحزام و الطريق
الذي تسعى من خلاله لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية.

ومن هنا يمكن فهم السياسة الصينية الهادئة تجاه القضية الفلسطينية.

فبكين لا تريد حربًا مفتوحة، ولا انهيارًا إقليميًا، ولا فوضى مزمنة.
هي تريد شرقًا أوسطًا مستقرًا بما يكفي لحماية الاقتصاد العالمي، ومفتوحًا بما يكفي لتوسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي.

لكن المفارقة المثيرة هنا، أن الصين رغم قوتها الاقتصادية الهائلة، ما زالت تتعامل بحذر شديد مع الملف الفلسطيني.
فهي تدرك أن الدخول المباشر والعنيف في هذا الملف قد يضعها في مواجهة مع الولايات المتحدة، ويهدد توازناتها التجارية والسياسية العالمية.

ولهذا، تتحرك بكين بطريقة تشبه أسلوبها التاريخي المعروف:
التقدم البطيء، الهادئ، التراكمي.

الصين لا تقفز فوق المراحل.
هي تبني نفوذها كما تبني السدود والطرق والسكك الحديدية: بصبر طويل ونَفَس استراتيجي عميق.

لكن السؤال الأهم ليس كيف تنظر الصين إلى فلسطين فقط، بل كيف يجب أن ينظر الفلسطينيون إلى الصين؟

حتى اللحظة، ما زال كثير من الخطاب الفلسطيني يتعامل مع بكين كأنها مجرد “صديق سياسي” أو قوة يمكن أن تعوّض الغياب الأمريكي.
بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا.

الصين لا تبحث عن أصدقاء بالمعنى العاطفي، بل عن شركاء قادرين على إنتاج الاستقرار، والأسواق، والفرص، والنفوذ المتبادل.

وهنا تكمن المعضلة الفلسطينية.

فنحن نطالب العالم بالعدالة، وهذا حقنا الطبيعي، لكن العالم الحديث لا يتحرك فقط بالأخلاق، بل بالمصالح أيضًا.
والدول التي تفشل في تحويل قضيتها إلى جزء من معادلات الاقتصاد العالمي، تبقى معرضة للعزلة مهما كانت عدالة قضيتها.

ربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الفلسطيني الحقيقي اليوم:
من يتضامن معنا؟

بل:
كيف نجعل العالم يرى في استقرار فلسطين مصلحة دولية حقيقية؟

ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد الجدران وحدها تُبنى من الإسمنت والأسلاك الشائكة.
هناك جدران أخطر تُبنى بالصمت الدولي، واختلال موازين القوة، وعجز الشعوب عن فهم كيف يتحرك العالم الجديد.

أما الصين، فهي تدرك جيدًا أن الإمبراطوريات لا تسقط فقط بالحروب…
بل أيضًا حين تفشل في قراءة التحولات الكبرى قبل أن تصبح واقعًا.

وربما لهذا، تنظر بكين إلى فلسطين بهدوء شديد…
لكنها تعرف أن هذه الأرض الصغيرة ما زالت قادرة على كشف تناقضات العالم كله.

م. غسان جابر – فلسطين

زر الذهاب إلى الأعلى