بين “فتح التي نعرفها” و”فتح التي يجب أن تولد”: قراءة في مقال غانية ملحيس

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر
ليست قيمة مقال الكاتبة غانية ملحيس في جرأته السياسية فقط، بل في قدرته على الاقتراب من واحدة من أكثر القضايا الفلسطينية حساسية وتعقيدًا: سؤال فتح نفسها، لا بوصفها تنظيماً عادياً، بل باعتبارها الفكرة التي أعادت تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني لعقود طويلة.
لقد كتبت غانية ملحيس نصاً ثقيلاً بالأسئلة، لكنه خفيف في لغته، عميق في تشريحه، دون أن يسقط في خطاب التخوين أو الشعبوية أو الحنين العاطفي الفارغ. وهذا بحد ذاته أمر نادر في الكتابة الفلسطينية المعاصرة، التي غالباً ما تنقسم بين خطاب تبريري يدافع عن الواقع مهما كان مأزوماً، أو خطاب عدمي يتعامل مع كل التاريخ الفلسطيني وكأنه خطأ كامل.
لكن أهمية المقال الحقيقية، برأيي، لا تكمن فقط في تشخيص أزمة حركة فتح، بل في أنه أعاد طرح سؤال أخطر وأوسع: هل ما نعيشه اليوم هو أزمة حركة؟ أم أزمة مرحلة فلسطينية كاملة انتهت أدواتها بينما ما زلنا نعيش داخل لغتها القديمة؟
هنا تحديداً تبدأ القضية.
فالكثيرون يتحدثون عن فتح وكأنها مجرد تنظيم يحتاج إلى “إصلاح داخلي”، أو تغيير بعض القيادات، أو عقد مؤتمر ناجح، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً وقسوة. ففتح لم تكن يوماً مجرد حزب سياسي تقليدي، بل كانت التعبير الأكبر عن الحالة الفلسطينية الحديثة: عن اللاجئ الذي تحول إلى فدائي، وعن الشعب الذي حاول استعادة نفسه بعد النكبة، وعن الفلسطيني الذي قرر أن يصبح فاعلاً في التاريخ لا مجرد ضحية له.
ولهذا فإن أزمة فتح اليوم ليست أزمة أشخاص فقط، بل أزمة انتقال تاريخي بين زمنين: زمن الثورة، وزمن السلطة.
المشكلة أن الفلسطيني عاش المرحلتين معاً دون أن يُحسم التناقض بينهما.
فمن جهة، بقيت الذاكرة الوطنية ترى في فتح حركة التحرر الوطني التي صنعت الكرامة الفلسطينية وأعادت القضية إلى العالم. ومن جهة أخرى، وُلد جيل كامل لا يعرف من فتح إلا السلطة والرواتب والتنسيق والأزمات الداخلية والانقسام والبيروقراطية والانتظار الطويل بلا أفق.
وهنا تظهر المعضلة الأخطر: ليس لأن فتح “خانَت” تاريخها كما يروّج البعض، ولا لأنها “انتصرت” لمشروعها كما يظن آخرون، بل لأنها علقت داخل منطقة رمادية لم تستطع الخروج منها: فلا هي بقيت ثورة كاملة، ولا أصبحت دولة حقيقية.
وهذا ما جعل الحركة تبدو أحياناً وكأنها تدافع عن إدارة الواقع أكثر مما تدافع عن تغييره.
لكن، وفي مقابل هذا التشخيص القاسي، أعتقد أن هناك نقطة إضافية تستحق النقاش، وربما لم تُمنح ما يكفي من المساحة في مقال غانية ملحيس، وهي أن جزءاً من أزمة فتح ليس داخلياً فقط، بل مرتبط أيضاً بتحول العالم نفسه.
فالعالم الذي وُلدت فيه حركات التحرر الوطني في الستينيات والسبعينيات لم يعد قائماً. البيئة الدولية تغيرت، والنظام العربي تفكك، ومفهوم “الثورة” نفسه لم يعد كما كان، بينما تحولت المنطقة إلى فضاء هائل من الحروب الأهلية والانهيارات والتطبيع وإعادة تشكيل التحالفات.
وفي وسط هذا المشهد، لم تكن فتح وحدها التي تغيرت، بل تغيّر معنى السياسة الفلسطينية نفسها.
ولهذا فإن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني اليوم لا يمكن أن تقوم فقط على استعادة الشعارات القديمة، ولا على اجترار خطاب الستينيات، بل تحتاج إلى عقل سياسي جديد يفهم أن الفلسطيني المعاصر لم يعد يبحث فقط عن خطاب تعبوي، بل عن معنى قابل للحياة: كرامة، وتمثيل، وعدالة، وأفق حقيقي يشعره أن الوطنية ليست مجرد تضحية مفتوحة بلا نهاية.
وهنا تحديداً أوافق الكاتبة في واحدة من أهم أفكارها: أن الأجيال الجديدة ليست أقل وطنية، لكنها أقل اقتناعاً باللغة السياسية القديمة.
وهذا فرق بالغ الأهمية.
فالجيل الفلسطيني الجديد لم يغادر القضية، بل غادرتْه الأدوات التقليدية التي كانت تتحدث باسمه دون أن تمنحه مستقبلاً واضحاً.
وربما لهذا السبب تحديداً كانت لحظة “طوفان الأقصى” لحظة صادمة لكل البنى السياسية القديمة، لأنها كشفت أن الشعب الفلسطيني ما زال قادراً على إنتاج الفعل التاريخي، حتى عندما تبدو مؤسساته عاجزة عن إنتاج رؤية موحدة.
لكن السؤال الأصعب يبقى: هل تستطيع فتح أن تعود لتكون جزءاً من إعادة بناء المشروع الوطني، لا مجرد حارس للمرحلة السابقة؟
أعتقد أن هذا ممكن… لكن بشروط قاسية جداً.
ليس عبر إعادة تدوير القيادات ذاتها، ولا عبر المؤتمرات الشكلية، ولا عبر لغة التعبئة التقليدية التي لم تعد تقنع جيلاً يرى العالم كله عبر شاشة هاتفه.
بل عبر شجاعة سياسية وفكرية حقيقية تعترف أولاً بأن مرحلة كاملة انتهت فعلاً، وأن حماية فتح لا تكون بتجميدها داخل صورتها التاريخية، بل بقدرتها على تجديد نفسها أخلاقياً وسياسياً وتنظيمياً.
فتح لا تحتاج فقط إلى إصلاح تنظيمي، بل إلى مصالحة مع سؤالها الأصلي: لماذا وُجدت؟
هل لتدير الواقع؟ أم لتقود مشروع التحرر الوطني الفلسطيني بأدوات جديدة تناسب هذا الزمن؟
وهنا يصبح مستقبل الحركة مرتبطاً بقدرتها على العودة إلى المجتمع، لا إلى السلطة فقط. إلى الناس، إلى الجامعات، إلى المخيمات، إلى الشتات، إلى الفكرة الفلسطينية الجامعة التي تآكلت تحت ثقل الانقسام والإدارة اليومية والأزمات المتراكمة.
لقد نجحت غانية ملحيس في وضع إصبعها على الجرح الحقيقي دون ضجيج، ونجحت أكثر في طرح الأسئلة التي يحاول كثيرون الهروب منها. لكن قيمة أي سؤال فلسطيني اليوم لا تكمن فقط في شجاعته، بل في قدرته على فتح باب جديد للتفكير، لا باباً إضافياً لليأس.
فالقضية الفلسطينية مرت بنكبات وحروب وانكسارات أكبر من كل التنظيمات، لكنها في كل مرة كانت تعيد إنتاج ذاتها بأشكال مختلفة.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل تنتهي فتح؟
بل: هل تستطيع فلسطين نفسها أن تنتج شكلها الوطني القادم…قبل أن يفرضه الآخرون عليها؟
م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.


