التخندق الفارسي

اجنادين نيوز / ANN

محمود المفرجي الحسيني

التاريخ لا يموت بل يعيد تشكيل نفسه باسماء جديدة ووجوه مختلفة، وما بين الامس واليوم تبقى السنن ثابتة تتكرر الاحداث وتتبدل الادوات لكن جوهر الصراع يبقى واحدا قوة متغطرسة تمتلك المال والسلاح والجيوش وامة تبحث عن وسيلة تحفظ بها وجودها وتمنع سقوطها ومن يتأمل حركة التاريخ يجد ان اعظم الانتصارات لم تكن دائما لمن يملك العدد الاكبر بل لمن يملك الفكرة الاذكى والارادة الاشد.

في السنة الخامسة للهجرة واجه المسلمون واحدة من اخطر المعارك في تاريخهم حين اجتمعت قبائل قريش واليهود في تحالف واسع بنفس تحالف العرب مع امريكا واسرائيل، لاقتلاع الاسلام من جذوره.
كانت معركة غير متكافئة بكل المقاييس الاحزاب امتلكت العدد والعدة والخبرة والمال فيما كان المسلمون يعيشون حصارا اقتصاديا وعسكريا ونفسيا حتى وصف القرآن ذلك المشهد بقوله تعالى: واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر”، لقد كان الخطر وجوديا وكانت المدينة مهددة بالسقوط الكامل.

في تلك اللحظة الحرجة لم يعتمد رسول الله صلى الله عليه واله على المواجهة التقليدية لانه كان يدرك ان المعركة ليست معركة اندفاع عاطفي بل معركة بقاء تحتاج الى عقل استراتيجي هنا ظهر دور سلمان المحمدي رضوان الله عليه الرجل القادم من بلاد فارس والذي حمل معه تجربة حضارية مختلفة فقال كلمته المشهورة: كنا بفارس اذا حوصرنا خندقنا.

لم تكن الفكرة مألوفة للعرب لكنها كانت حلا استثنائيا في ظرف استثنائي فتحول الخندق من مجرد حفرة في الارض الى حاجز نفسي وعسكري حطم اندفاع الاحزاب وافشل مشروعهم.
ذلك المشهد التاريخي يعيد نفسه اليوم بصورة مختلفة فحين نقارن بين الولايات المتحدة بما تمتلكه من اساطيل وقواعد عسكرية وتحالفات عالمية وبين ايران التي تعرضت لعقوبات وحصار طويل كان كثيرون يظنون ان المواجهة محسومة سلفا لصالح القوة الامريكية الفارق في الامكانيات يبدو هائلا تماما كما كان الفارق بين الاحزاب والمسلمين في المدينة لكن التجربة اثبتت ان ميزان القوة لا يقاس فقط بحجم السلاح بل بقدرة الطرف الاضعف على تحويل نقاط ضعفه الى ادوات ردع.

ايران التي ادركت مبكرا طبيعة الصراع لم تدخل معركتها بمنطق المواجهة الكلاسيكية المباشرة لانها تعلم ان الحرب التقليدية مع القوى الكبرى تعني الاستنزاف وربما الانهيار لذلك اختارت فلسفة التخندق هذا التخندق لم يكن حفرة ترابية كما فعل المسلمون في المدينة بل شبكة معقدة من ادوات الردع الجغرافي والسياسي والعسكري وهنا يتحول مضيق هرمز الى خندق العصر الحديث ممر مائي صغير في حجمه لكنه هائل في تأثيره تمر عبره شرايين الطاقة العالمية ويكفي اضطرابه ليهتز الاقتصاد الدولي كله
الخندق في معركة الاحزاب لم يكن هدفه تحقيق نصر هجومي ساحق بل منع العدو من تحقيق هدفه الاساسي وهذا ما تفعله ايران اليوم فهي تدرك ان قوتها لا تكمن في منافسة امريكا بعدد حاملات الطائرات او حجم الانفاق العسكري بل في قدرتها على جعل اي حرب مكلفة جدا لذلك بنت استراتيجيتها على الصبر الطويل والحروب غير المباشرة وتعدد ساحات الضغط والسيطرة على مفاصل جغرافية حساسة لتقول للعالم ان القوة ليست دائما في الضربة الاولى بل احيانا في القدرة على منع الخصم من تحقيق نصر سريع.

واذا كان سلمان المحمدي رضوان الله عليه، قد نقل تجربة فارس العسكرية الى المدينة المنورة لحماية الاسلام الناشئ فان العقل الايراني المعاصر يستحضر ذات الفلسفة التاريخية القائمة على الدفاع العميق واستنزاف الخصم فالجغرافيا هنا تتحول الى سلاح والوقت يتحول الى عنصر قوة والحصار يتحول الى دافع للاعتماد على الذات ولهذا فشلت عقود من العقوبات والتهديدات في اسقاط ايران او دفعها للاستسلام لانها لم تبن مشروعها على القوة المباشرة وحدها بل على فلسفة الخندق التي تجعل العدو مترددا قبل الاقدام على اي مواجهة كبرى
ان قراءة التاريخ بهذه الطريقة تكشف لنا ان الامم التي تنجو ليست دائما الاقوى ماديا بل الاكثر وعيا بطبيعة الصراع فالاحزاب كانت تظن ان كثرتها كافية لاسقاط المدينة لكنها اصطدمت بفكرة غيرت مسار المعركة واليوم ايضا قد تبدو الموازين مختلة لصالح القوى الكبرى لكن تجارب التاريخ تقول ان الارادة والعقل الاستراتيجي قد يحولان الطرف المحاصر الى قوة قادرة على فرض معادلات جديدة.

وهكذا يبقى التخندق الفارسي ليس مجرد وصف عسكري بل فلسفة كاملة في ادارة الصراع فلسفة تؤمن ان النجاة لا تكون دائما بالهجوم بل احيانا ببناء الحاجز الذي يمنع العدو من ابتلاعك تماما كما فعل سلمان المحمدي يوم انقذ المدينة بخندق وكما تحاول ايران اليوم ان تصنع خندقها الكبير الممتد من الجغرافيا الى السياسة الى مضيق هرمز.

زر الذهاب إلى الأعلى