الصين وأمريكا.. صراع يعاد تشكيله بين القوة والتوازن

اجنادين نيوز / ANN
بقلم نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
في السنوات الأخيرة برزت الصين كقوة عالمية استطاعت أن تفرض حضورها بهدوء وثبات في المشهد الدولي، عبر استراتيجية تقوم على التخطيط طويل المدى وبناء النفوذ الاقتصادي وتوسيع الشراكات الدولية دون صدام مباشر، الأمر الذي جعلها طرفاً أساسياً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة عالمية تتشكل اليوم.
ومن هنا يمكن القول إن التحولات المتسارعة في النظام الدولي لم تعد تسمح بوجود قوة منفردة تتحكم في المشهد، بل باتت تدفع نحو إعادة توزيع موازين النفوذ بشكل تدريجي ومعقد.
وفي هذا السياق تأتي زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين بين 13 و15 مايو، كواحدة من أكثر المحطات حساسية في العلاقة بين واشنطن وبكين، حيث لا تبدو مجرد زيارة دبلوماسية، بل حلقة جديدة في صراع ممتد تتداخل فيه الملفات الاقتصادية مع التوترات الجيوسياسية، وهو ما يعكس انتقال المنافسة إلى مستوى أكثر عمقاً وتشابكاً.
وفي المقابل لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة والصين مجرد شراكة تجارية متوترة أو حرب باردة جديدة، بل أصبحت مرحلة منافسة وجودية تمتد من الرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد إلى سباق الذكاء الاصطناعي وتايوان وبحر الصين الجنوبي، ما يجعل كل ملف جزءاً من منظومة صراع واحدة مترابطة الأبعاد.
ومن جهة أخرى يدخل ترامب هذه الجولة حاملاً ملفات اقتصادية ضاغطة تتعلق بالوظائف وسلاسل الإمداد وأزمة الفنتانيل، بينما تنظر بكين إلى المشهد من زاوية أوسع ترى فيها أن ما يجري ليس مجرد خلافات ظرفية، بل انتقال تدريجي لمركز الثقل العالمي من الغرب إلى الشرق، وهو ما يؤكد أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النظام الدولي.
وبالمقابل نجحت الصين خلال السنوات الماضية في تعزيز موقعها عبر تحويل الاقتصاد إلى أداة تأثير رئيسية في السياسة العالمية، من خلال مبادرة الحزام والطريق وتوسيع شبكات التعاون مع آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، مع الحفاظ على نهج دبلوماسي يقوم على الصبر الاستراتيجي وتجنب المواجهة المباشرة، الأمر الذي منحها قدرة على التقدم بثبات وهدوء.
ورغم ذلك، فإن المفارقة أن هذه الزيارة تكشف عن مساحة توازن دقيقة بين الطرفين، إذ يدرك كل منهما أن القطيعة الكاملة أكثر كلفة من استمرار الصراع المنضبط، ما يعني أن الهدف ليس إنهاء الخلافات بقدر ما هو إعادة صياغة قواعد الاشتباك بين قوتين لا يمكن لأي منهما إلغاء الأخرى.
وفي ظل هذا التحول، يتجه العالم نحو تعدد أقطاب يعيد تشكيل الخريطة الدولية، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقة بين بكين وواشنطن، وما إذا كانت ستستقر على قواعد تمنع الانفجار أم أننا أمام هدنة مؤقتة تسبق موجة جديدة من التصعيد.
وفي النهاية يمكن القول إن الصين تمضي بثبات في تعزيز موقعها كقوة صاعدة تعيد تشكيل موازين العالم، فيما تحاول واشنطن إدارة هذا التحول بأقل خسائر ممكنة، في صراع لم يعد يتعلق بالنفوذ فقط، بل بشكل العالم القادم نفسه.



