الطفولة في مواجهة أعراف العنف

اجنادين نيوز / ANN
بقلم : أسعد الجوراني
جريمة بشعة تفتقر إلى أدنى القيم الأخلاقية، تهزّ الضمير الإنساني وتستفز الوجدان، وتعكس خللاً عميقاً في الوعي المجتمعي. فعندما تكون الضحية طفلة في الخامسة عشرة من عمرها، ويكون سبب قتلها أنها مارست حقها الفطري في رفض الزواج، فإننا لا نكون أمام حادثة عابرة، بل أمام مأساة تتجاوز حدود الوصف، حيث تُقاد البراءة إلى مقصلة الأعراف المسمومة.
كان يُفترض بهذه الفتاة أن تكون بين مقاعد الدراسة، ترسم أحلامها وتستكشف الحياة، لكنها وجدت نفسها في مواجهة قرار مصيري يُفرض عليها قسراً، في ظل استمرار ظواهر زواج القاصرات وزواج الأقارب بالإكراه، وتغلّب سلطة القبيلة والعرف على سلطة العقل والدين والقانون. وحين رفضت الطفلة ابن عمها، لم تكن تمارس تمرداً أو خروجاً عن القيم، بل كانت تمارس حقها الطبيعي في الحياة والاختيار. لكن تلك الـ(لا) كانت كافية لإشعال فتيل غضب بدائي متجذر في ثقافة ترى في إرادة المرأة تهديداً ينبغي سحقه.
ولم يكتفِ الجناة بانتزاع روحها وخنق طموحها، بل تجاوزت الوحشية حدود العقل والإنسانية عبر التمثيل بجثتها. وهنا لم تعد الجريمة مجرد فعل إجرامي، بل تحولت إلى رسالة ترهيب موجهة لكل فتاة تفكر في قول (لا)، وإلى محاولة لإلغاء الكرامة الإنسانية حتى بعد الموت، وتجسيد لغلّ دفين ونفس إجرامية تتخفّى خلف شعارات مغلوطة تُسوّق تحت مسمى “غسل العار”.
إن دماء هذه الطفلة ستبقى وصمة عار على جبين كل من يرى في إجبار القاصرات على الزواج “ستراً”، وعلى كل من يبرر العنف ضد النساء أو يصمت عنه. فحماية الطفولة ليست ترفاً اجتماعياً، بل معيار حقيقي لتحضر الأمم، أو انحدارها إلى قاع الغابة.
رحم الله الضحية الصغيرة، وجعل من دمائها صرخة توقظ الضمائر النائمة، وتضع حداً لهذا المسلسل الدامي من الجرائم التي تُرتكب باسم التقاليد والأعراف.

زر الذهاب إلى الأعلى