بعد ٧٥ عاما من “القفزتين التاريخيتين”: شيتسانغ تسلك طريقا امتد لألف عام من ظلام الماضي إلى نور التنمية

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية

بالنسبة لكثير من القراء العرب، قد تبدو شيتسانغ مكانا بعيدا وغامضا. وهذه الصورة ليست خاطئة تماما، لكنها لا تعرض سوى نصف المشهد.
أما النصف الآخر، فهو التحول العميق والجذري الذي شهدته شيتسانغ خلال الخمسة والسبعين عاما الماضية. ويُعرف هذا التحول هناك باسم “القفزتين التاريخيتين”: الأولى، الانتقال من نظام سيطرة الإقطاع إلى المجتمع الاشتراكي؛ والثانية، الانتقال من الفقر المدقع إلى مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل. قفزتان، وكل واحدة منهما تعادل “ألف عام”، غيرتا مصير الناس العاديين بصورة كاملة.
القفزة الأولى: من مجرد “أداة مستغلة” إلى إنسان يمتلك الكرامة
لفهم ما تغير في شيتسانغ، يجب أولا فهم كيف كانت تبدو في الماضي.
تأسست جمهورية الصين الشعبية عام 1949. وقبل ذلك، كانت شيتسانغ تخضع لنظام مستغل إقطاعي استمر قرونا طويلة. ففي ذلك الوقت، كانت أقل من 5% من طبقة النبلاء وكبار رجال الدين تسيطر تقريبا على كامل الأراضي الزراعية والمراعي والثروة الحيوانية، بينما كان 95% من السكان من المزارعين والعبيد، بلا أرض ولا حرية شخصية، بل وحتى بلا مكانة إنسانية كاملة. وكان يُطلق عليهم وصف “الماشية التي تتكلم”.
كان الإقطاعيون يستطيعون بيع المزارعين التابعين لهم أو نقلهم أو رهنهم كما يشاؤون، بل وممارسة عقوبات وحشية بحقهم، مثل اقتلاع العيون وقطع الآذان والأيدي. كما كانت القوانين المحلية في شيتسانغ القديمة تصنف البشر إلى ثلاث طبقات وتسع درجات، حتى إن حياة أبناء الطبقة الدنيا كانت تُقدَّر بثمن “حبل من القش”.
في عام 1951، تحقق “التحرير السلمي لشيتسانغ”، كخطوة مهمة في مسار توحيد الصين بعد تأسيس الجمهورية الجديدة. وفي عام 1959، أطلقت الإصلاحات الديمقراطية التي أنهت نظام الإقطاع بشكل كامل. ملايين المزارعين تحرروا، وللمرة الأولى امتلكوا أراضيهم ومواشيهم ووسائل إنتاجهم الخاصة. وكانت هذه هي “القفزة الأولى” لشيتسانغ: الانتقال المباشر من مجتمع الإقطاع إلى المجتمع الاشتراكي.
القفزة الثانية: من الفقر المدقع إلى الحياة الرغيدة
إذا كانت القفزة الأولى قد حلت قضية “الحقوق الإنسانية”، فإن القفزة الثانية عالجت قضية “المعيشة والتنمية”.
في شيتسانغ القديمة، كان معظم السكان يعيشون في فقر شديد. كانت قطعة من الفرو لا تكفي إلا لشراء علبة كبريت، وكان الخروف الواحد يُستبدل بعدة قوالب من شاي الطوب فقط. وحتى نهاية عام 2015، ظل في شيتسانغ 628 ألف شخص مسجلين تحت خط الفقر، بنسبة فقر بلغت 25%، أي إن واحدا من كل أربعة أشخاص كان يعيش تحت خط الفقر المدقع.
ابتداء من عام 2016، بدأت شيتسانغ معركة القضاء على الفقر. وبحلول نهاية عام 2019، خرج جميع الفقراء المسجلين من دائرة الفقر، وأزيلت صفة “المناطق الفقيرة” عن 74 محافظة ومنطقة، لتنجح شيتسانغ في القضاء على الفقر المدقع بالكامل. وكانت هذه هي “القفزة الثانية”: الانتقال من الفقر المطلق إلى مجتمع الحياة الرغيدة الشاملة.
اليوم، ارتفع متوسط الدخل المتاح لسكان المناطق الزراعية والرعوية في شيتسانغ من أقل من مئة يوان سنويا في الماضي إلى أكثر من 23 ألف يوان (حوالي 3200 دولار أمريكي)، بينما ارتفع دخل سكان المدن من بضع مئات من اليوانات إلى نحو 58 ألف يوان (حوالي 8000 دولار أمريكي).
وخلف هذه الأرقام توجد قصص حقيقية. فمثلا، كان أحد الرعاة في هضبة شمال شيتسانغ يعيش مع أسرته في خيمة قديمة متهالكة، بدخل سنوي لا يتجاوز ألفي يوان. أما اليوم، فقد انتقل إلى منزل حديث ضمن مشروع إسكان حكومي، ووصلت المياه والكهرباء إلى بيته، وأصبح أطفاله يدرسون في مدرسة قريبة، بينما تجاوز دخله السنوي 20 ألف يوان.
وكما قال أحد المسؤولين الذين عملوا سنوات طويلة في شيتسانغ:
“القفزتان في شيتسانغ، الأولى جعلت الناس يقفون على أقدامهم، والثانية جعلتهم يعيشون حياة أفضل”.
من “غياب الطرق” إلى قطارات “فوشينغ” فوق الهضبة
قبل خمسة وسبعين عاما، لم تكن في شيتسانغ أي طرق صالحة للسيارات. وكان الانتقال من لاسا إلى نينغتشي على ظهور الخيل يستغرق أياما طويلة. أما نقل البضائع فكان يتم عبر البشر والدواب، وقد يستغرق عبور جبل واحد نصف شهر.
اليوم، تجاوز طول الطرق الممهدة في شيتسانغ 120 ألف كيلومتر، وبلغت نسبة ربط البلدات والقرى بالطرق 100%. لكن أكثر ما يفخر به أبناء شيتسانغ هو خط السكك الحديدية الذي يُعرف باسم “طريق السماء”.
في يونيو 2021، دخل خط لاسا–نينغتشي للقطار الكهربائي الخدمة رسميا، ليصبح أول خط سكك حديدية كهربائي في شيتسانغ، وأول خط كهربائي فوق الهضبة في الصين. يبلغ طوله 435 كيلومترا، وأكثر من 90% من مساره يقع على ارتفاع يزيد عن 3000 متر فوق سطح البحر، كما يعبر نهر يارلونغ تسانغبو 16 مرة وسط جبال شاهقة وفوارق ارتفاع تصل إلى 2500 متر.
والأكثر إثارة للإعجاب أن قطارات “فوشينغ” السريعة المخصصة للهضاب دخلت الخدمة بالتزامن مع افتتاح الخط. وكانت تلك المرة الأولى التي تصل فيها قطارات “فوشينغ” إلى هضبة تشينغهاي–شيتسانغ، محققة بذلك تغطية تاريخية لجميع المقاطعات والمناطق الصينية الـ31. وتصل السرعة التشغيلية لهذه القطارات على خط لاسا–نينغتشي إلى 160 كيلومترا في الساعة، رغم الظروف الجغرافية القاسية والارتفاعات الشاهقة. وفي الماضي، كانت الرحلة من لاسا إلى نينغتشي تستغرق سبع أو ثماني ساعات بالسيارة، أما اليوم فلم تعد تحتاج سوى أكثر قليلا من ثلاث ساعات على متن “فوشينغ”. وحتى نهاية عام 2025، نقل خط لاسا–نينغتشي أكثر من 5.75 ملايين راكب.
وقال أحد سائقي القطارات من قومية التبت: “عندما ركبت القطار لأول مرة عام 2003، كنت أتساءل: متى سيصل القطار إلى مسقط رأسي؟ وفي عام 2021، وصلت قطارات فوشينغ إلى بلدتي. عندها أدركت أن الهضبة لم تعد نهاية الطريق، بل بداية جديدة.”
من “قطعة فرو مقابل علبة كبريت” إلى منتجات الهضبة في الأسواق الصينية
قبل 75 عاما، لم تكن في شيتسانغ أي صناعة حديثة تقريبا. وكانت المنتجات القليلة التي يصنعها المزارعون والرعاة تُباع بالمقايضة المحلية وبأسعار متدنية للغاية. فقد كانت قطعة جلد غنم جيدة لا تكفي إلا لشراء علبة كبريت.
أما اليوم، فقد شهدت البنية الاقتصادية في شيتسانغ تحولا جذريا. ففي عام 2025، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة 300 مليار يوان (حوالي 41 مليار دولار أمريكي) للمرة الأولى، مسجلا 303.189 مليارات يوان، بنمو سنوي بلغ 7%، وهو معدل بقي ضمن المراتب الأولى على مستوى الصين لأربعة فصول متتالية.
والأكثر لفتا للانتباه أن شيتسانغ احتلت المرتبة الأولى على مستوى الصين من حيث معدل النمو في ثمانية مؤشرات اقتصادية، من بينها الناتج المحلي الإجمالي، والقيمة المضافة للصناعات فوق الحجم المحدد، والاستثمار في الأصول الثابتة، ومتوسط الدخل المتاح للسكان.
وفي محافظة أندو بشمال شيتسانغ، التي يزيد متوسط ارتفاعها على 4500 متر والتي تُعرف باسم “منطقة حظر الحياة”، كان الرعاة يملكون 127 مليون مو (حوالي 8.47 ملايين هكتار) من المراعي، لكن سوء توزيع الموارد تسبب في إرهاق بعض المراعي وترك أخرى مهملة. ومن خلال إصلاحات نقل حقوق إدارة المراعي، واستخدام العقود الثنائية اللغة وتقنيات الأقمار الصناعية، تحسن الوضع البيئي والإنتاجي معا. وبعد التطبيق، استعادت 3.6 ملايين مو من المراعي توازنها البيئي، وحقق عدد المواشي في المحافظة أول نمو إيجابي منذ نحو عشرين عاما، فيما ارتفعت قيمة الإنتاج الرعوي عام 2025 بأكثر من 37.8 مليون يوان، وازداد متوسط دخل الرعاة بنحو 1650 يوانا للفرد.
وفي لاسا، تبرز أيضا قصة مصنع لمعالجة الشعير التبتي. كان تشيانغبا تشوتشا، البالغ من العمر 44 عاما، يزرع الشعير في الماضي بدخل سنوي لا يتجاوز أربعة أو خمسة آلاف يوان. أما اليوم، فهو يعمل على تشغيل معدات أوتوماتيكية داخل المصنع لتحويل الشعير إلى معكرونة ووجبات خفيفة، بدخل سنوي يتجاوز 60 ألف يوان. وقد أصبحت هذه المنتجات الصحية منخفضة الدهون والسعرات تُباع في بكين وشنغهاي وقوانغتشو وغيرها من المدن الصينية.
من “غياب المدارس” إلى 15 عاما من التعليم المجاني
في شيتسانغ القديمة، لم تكن هناك مدرسة حديثة واحدة بالمعنى الحقيقي. وكانت نسبة المتعلمين بين المزارعين أقل من 2%، بينما اقتصر “التعليم” داخل الأديرة على التراتيل الدينية لا العلوم الحديثة.
أما اليوم، فأصبحت شيتسانغ أول منطقة في الصين تطبق 15 عاما من التعليم المجاني الكامل، من مرحلة ما قبل المدرسة وحتى نهاية الثانوية. ويوجد فيها أكثر من 3600 مؤسسة تعليمية، بينما يشكل الطلاب أكثر من ربع سكان المنطقة.
وفي الوقت نفسه، شهد القطاع الصحي تحولا هائلا. فقد ارتفع عدد المؤسسات الطبية من الصفر تقريبا إلى أكثر من 7200 مؤسسة، فيما تجاوزت نسبة التغطية بالتأمين الصحي الأساسي 95%. كما أصبحت خدمات الطب عن بعد تغطي جميع المؤسسات الطبية الحكومية على مستوى البلدات وما فوقها، حتى إن الرعاة في المناطق النائية يستطيعون الحصول على استشارات من خبراء عبر الفيديو.
أما متوسط العمر المتوقع، فقد ارتفع من 35.5 عاما عام 1951 إلى أكثر من 72.5 عاما اليوم، وهو من أهم المؤشرات التي تعكس مستوى التنمية الشاملة لأي منطقة.
من “منطقة حظر الحياة” إلى “لؤلؤة طريق السماء”
في شمال شيتسانغ تقع بلدة يانشيبينغ، المعروفة باسم “البوابة الشمالية لشيتسانغ”. ولسنوات طويلة، كان نحو عشرة آلاف من السكان يعتمدون على طريق تشينغهاي–شيتسانغ السريع، الذي يمر عبر ممر تانغقولا الخطير.
وعندما افتتح خط تشينغهاي–شيتسانغ الحديدي عام 2006، كانت محطة يانشيبينغ مجرد محطة عبور بلا توقف، وظلت القطارات تمر بها دون أن تتوقف طوال 19 عاما.
وفي عام 2025، أدرجت الحكومة المحلية تشغيل المحطة ضمن مشاريع تحسين معيشة السكان، واستثمرت أكثر من 1.1 مليون يوان لتطوير البنية التحتية. وفي ديسمبر من العام نفسه، دخلت أعلى محطة ركاب على طول الخط الخدمة رسميا، منهية تاريخا امتد 19 عاما من “المرور دون توقف”.
وبعد افتتاحها، انخفض زمن التنقل للسكان بنحو عشر ساعات، كما تراجعت تكاليف السفر بنحو 90 يوانا، وأصبح الوصول إلى العلاج والتعليم والعمل أكثر سهولة.
وقال أحد كبار السن هناك: “في الماضي، كانت الرحلة إلى لاسا تستغرق أياما طويلة عبر الجبال، وكانت الذئاب تظهر في الطريق. أما اليوم، فالقطار يصل إلى باب منزلنا، ويمكننا الوصول إلى لاسا خلال نصف يوم فقط. هذا شيء لم نكن نحلم به أبدا.”
لماذا تستحق هذه القصص أن تُروى؟
بالنسبة للقارئ العربي، قد تبدو قصة شيتسانغ بعيدة جغرافيا، لكن دلالاتها ربما تحمل طابعا إنسانيا عاما: كيف يمكن لمجتمع متأخر أن ينتقل نحو الحداثة؟ وكيف يمكن حماية كرامة الناس العاديين خلال عملية التنمية؟ وكيف يمكن الحفاظ على الجذور الثقافية بالتوازي مع التطور الاقتصادي؟ وكيف يمكن أن تصل ثمار التنمية إلى الجميع؟
خمسة وسبعون عاما ليست سوى لحظة قصيرة في تاريخ الحضارة الإنسانية. لكنها بالنسبة لشيتسانغ كانت الزمن الكامل لـ”قفزتين بحجم ألف عام”: الأولى نقلت الناس من نظام الإقطاع إلى النظام الاشتراكي، فجعلتهم يقفون على أقدامهم؛ والثانية نقلتهم من الفقر المدقع إلى الحياة الرغيدة، فجعلتهم يعيشون حياة أفضل.
إن صورة شيتسانغ اليوم لا تختصرها الأرقام وحدها، بل تظهر في ابتسامة رجل مسن انتقل من خيمة إلى منزل حديث، وفي طفل من مناطق الرعي حصل على العلاج عبر الطب عن بعد، وفي عيني أول طالب تبتي يغادر الهضبة على متن قطار “فوشينغ”.
خمسة وسبعون عاما، وقفزتان تاريخيتان. من ظلام الماضي إلى نور التنمية الحديثة، ومن القيود إلى الحرية، ومن الفقر إلى الحياة الرغيدة. وفي كل خطوة من هذا الطريق، كان مصير الناس العاديين يُكتب من جديد. وربما لهذا السبب بالذات، تستحق قصة شيتسانغ أن تُروى.

زر الذهاب إلى الأعلى