على خلفية القمة الصينية الأمريكية في بكين: الصين تتعاظم في أعين العالم وتخطف الأضواء على مسرح التأثير الدبلوماسي العالمي.

اجنادين نيوز / ANN

د. الضو خضر احمد عبد الله
في لحظة فارقة من عمر العلاقة بين الصين والولايات والمتحدة وفي أجواء من التوتر العالمي والحروب والإصطفافات التي صنعتها الولايات المتحدة مؤخراً والتي كادت أن تعصف كلياً بالسلام العالمي اتجهت أنظار العالم إلى العاصمة الصينية بكين في الفترة من الثالث عشر وحتى الخامس عشر من مايو الجاري لمتابعة ما ستسفر عنه القمة الصينية الأمريكية بين الرئيسين الصيني شي جين بينغ والأمريكي دونالد ترامب، وهي القمة التي توشحت بعظمة المكان وعنفوان التلاقي للبحث عن مخارج لكثير من التباينات في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وعلى الرغم من الأجواء المشحونة التي عقدت فيها القمة حظي الرئيس الأمريكي والوفد المرافق له بالاستقبال اللائق بهما وحظيا بنوعٍ من المراسم التشريفية فاق المتوقع، وذلك لعدة اعتبارات، فالولايات المتحدة دولة كبيرة وذات تأثير كبير في مستقبل الأمن والسلام العالمي، وهي من الأهمية بمكان بالنسبة للصين إذ تربطهما العديد من العلاقات والروابط والمصالح الاقتصادية المتداخلة، بالإضافة إلى انها الدولة الرائدة عالمياً لعالم السياسة والمال والتكنولوجيا، وتصنف حالياً بأنها الأقوى في عدة مجالات لعقود عديدة.
تطرقت القمة لملفات عديدة وشديدة الأهمية أبرزها الملفات الجيوسياسية والأزمات الدولية الماثلة، وأمن الطاقة، والذكاء الإصطناعي، والعلاقات التجارية، بالإضافة إلى بحثها للقضية الأبرز والأكثر حساسية من بين القضايا الأخرى (قضية تايوان)، إلا أن القمة لم تصل في نتائجها إلى شئ، وذلك في جل قضاياها المطروحة، ربما لتعقيداتها، أو للتباين الكبير في وجهات النظر حيالها، أو للبون الإستراتيجي الواسع والمتنامي بين الطرفين.
أثناء الزيارة كان الرئيس ترامب أكثر ارتياحاً من غيره، إذ علق عليها آمالاً اقتصادية كبيرة، وقد تبدى ذلك في حجم وطبيعة الوفد المرافق له والذي حوى أكثر من ثلاثين من الرؤساء التنفيذيين لكبريات الشركات الأمريكية في مختلف القطاعات، بدا ترامب على غير العادة لين الطبع، غارقاً في التفاؤل، باذلاً لعبارات الثناء والإطراء للطرف الصيني، مع مستوىً عالٍ من الاحترام غير المعهود والانبهار غير المحدود بمضامين وروح الحضارة الصينية العظيمة المتجسدة أمامه.
في المقابل بدا الرئيس شي جين بينغ واثقاً من رؤاه ومواقفه، لم يدخل نفسه في سجال أو نزال، أو يجهد عقله في عتاب أو حساب، بل اقتصر رؤاه بهدوئه المعهود في التمسك والتأكيد مرة أخرى على المسار الاستراتيجي لعلاقات الصين الخارجية القائم على مبدأ التعاون مع جميع دول العالم (بما فيها الولايات المتحدة) ولأن هذا هو ما يطمح إليه ترامب من هذه الزيارة (لا سيما على النطاق التجاري) استجاب الطرف الأمريكي لهذا المبدأ كبديل للنهج الأمريكي الصفري السائد، القائم على المناكفة والتنازع التجاري، ليقرا معاً على ضوء ذلك تشكيل الرؤية الجديدة المشتركة المتمثلة في (الاستقرار الاستراتيجي البناء للعلاقة بين الطرفين).
أثناء اللقاء جدد الرئيس شي جين بينغ وأبان بوضوح لا لبس فيه تمسك الصين القاطع بمبدأ وحدة الأراضي الصينية وهو المبدأ الذي تشارك الصين فيه معظم دول العالم (صين وحدة) محذراً في هذا الإطار من أن التعامل الخاطئ مع ملف تايوان يمكنه أن يؤدي إلى صدام مباشر بين القوتين الكبيرتين، ويعتبر هذا وضوح استراتيجي ضروري قصد به شي جين بينغ قطع الطريق أمام أي محاولة للطرف الأمريكي للتعاون مع تايوان بعيداً عن الاعتراف بتبعيتها للوطن الأم.
تحلى الرئيس شي جين بينغ في لقائه بالرئيس ترامب بالواقعية والاعتدال في المواقف، حيث التزمت كلمته بشكل صارم بالخط الاستراتيجي للدولة، كما تحلت في مضامينها بروح ومبادئ القوانين والمواثيق الدولية، وقد تجاوزت في معانيها مصالح الطرفين لتعبر عن مصالح الدول والشعوب على المستويين الإقليمي والدولي، ليخطف بذلك الأضواء وترتفع على إثر دبلوماسيته وملكاته مكانة الصين في الاعلام العالمي كقوة صاعدة تسعى لتثبيت أركان السلام العالمي وتعمل على تعزيز المبادئ الأساسية للقانون الدولي.
بلا ريب ارهقت سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العدائية العالم وتسببت تعريفاته الجمركية المتتالية وحربه الأخيرة على إيران في مخاوف وخسائر اقتصادية كبيرة على الصعيد العالمي، وقد عجز العالم عن كبح جماح تلك السياسات والتوجهات الجانحة وغير المكترثة بالحقوق، والخارجة عن الإجماع والتوافق الدولي، لا سيما وأن ترامب ظل ومنذ تولي ولايته الرئاسية الثانية لا يبالي بالقواعد والأعراف في أي قرار رئاسي صادر، ولا يلتزم في لقاءاته بأي بروتوكول دبلوماسي سائر.
يمكن القول ان الصين بحكمتها الموروثة قد تصدت أخيراً لغرور الرئيس ترامب ونجحت في دعوته لزيارة بكين واستخدمت في التعامل معه مستوى عالي من الدبلوماسية الرفيعة المترفعة عن ردود الأفعال، والمتمسكة بالحقوق والقواعد والأعراف، وهي الدبلوماسية التي أجبرته على التراجع عن تصريحاته الرئاسية السابقة والإشادة علناً بالصين كدولة ونظام، وبالرئيس شي جين بينغ كقائد عظيم وجعلته يردف (أن البعض لا يحب ذلك ولكنها الحقيقة).

زر الذهاب إلى الأعلى