حين يضحك التنين على النسر
من اخترع الإنترنت إلى من اخترع السيطرة: كيف تغيّر ميزان القوة بين الولايات المتحدة و جمهورية الصين

اجنادين نيوز / ANN
.
بقلم : المهندس غسان جابر – عضو الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين، رئيس فرع فلسطين.
في السياسة الدولية، لا توجد ابتسامات بريئة.
حتى الضحك بين الرؤساء يُقرأ أحيانًا كرسالة قوة، أو إهانة ناعمة، أو استعراض نفسي أمام العالم.

وحين زار الرئيس الأمريكي الصين، بدا المشهد أحيانًا وكأنه لقاء بين قوتين عظميين، وأحيانًا أخرى وكأنه مواجهة صامتة بين نظامين يحاول كل منهما إقناع العالم بأنه المستقبل.
كانت هناك لحظات بروتوكولية بدت طريفة للبعض، لكنها في الحقيقة كشفت عمق التحول في ميزان القوة العالمي.
لغة الجسد، ترتيب الجلوس، البرود الصيني المدروس، والإصرار الأمريكي على إظهار الثقة حتى في لحظات التراجع… كلها لم تكن تفاصيل هامشية.
الصين لا تتصرف كدولة صاعدة فقط، بل كحضارة عادت لتطالب بموقعها التاريخي.
أما أمريكا، فتتصرف أحيانًا كإمبراطورية تدرك أن العالم الذي صنعته بدأ يتغير خارج سيطرتها.
المشهد الطريف الذي انتشر حين بدا أن الرئيس الأمريكي يحاول كسر الجمود بالمزاح والابتسامات، بينما حافظ الرئيس الصيني على هدوء بارد يكاد يخلو من الانفعال، لم يكن مجرد اختلاف شخصيات.
بل كان انعكاسًا لفلسفتين سياسيتين:
أمريكا تؤمن بالقوة عبر الحضور الإعلامي والكاريزما والرسائل العلنية.
الصين تؤمن بالقوة عبر الصبر، والانضباط، وإخفاء النوايا.
حتى طريقة التصفيق، وحركة المترجمين، ونبرة الردود، بدت وكأنها جزء من معركة نفسية ناعمة بين النسر الأمريكي والتنين الصيني.
لكن خلف هذه المشاهد البروتوكولية، كانت هناك حرب أخطر بكثير تدور بصمت: حرب على من يملك المستقبل.
أمريكا اخترعت الإنترنت، وأطلقت الثورة الرقمية، وقدّمت للعالم فكرة أن التكنولوجيا تعني الحرية والانفتاح.
لكن الصين كانت تراقب بصمت، ثم فعلت شيئًا مختلفًا تمامًا: لم تسأل كيف تجعل الإنترنت أكثر حرية… بل كيف تجعله أكثر فاعلية في السيطرة.
وهنا بدأت أخطر معركة في القرن الحادي والعشرين.
الغرب بنى فضاءً رقميًا مفتوحًا، معتقدًا أن السوق والحرية سيقودان العالم تلقائيًا.
أما الصين، فبنت فضاءً رقميًا يخضع للدولة، وللأمن القومي، ولإدارة المجتمع.
وفي النهاية، اكتشف الجميع أن التكنولوجيا لا تحمل أخلاقًا، بل تحمل عقل من يديرها.
اليوم، لم تعد القوة في عدد حاملات الطائرات فقط، بل في:
من يملك البيانات
من يسيطر على الخوارزميات
من يتحكم بأشباه الموصلات
من يقود الذكاء الاصطناعي
ومن يستطيع إعادة تشكيل وعي البشر عبر الشاشة
ولهذا أصبحت أزمة تيك توك في أمريكا تبدو أحيانًا أخطر سياسيًا من بعض الأزمات العسكرية.
فواشنطن لا تخشى مجرد تطبيق، بل تخشى أن تتحول المنصة الصينية إلى أداة نفوذ داخل العقل الأمريكي نفسه.
المفارقة الساخرة أن أمريكا التي اتهمت الصين ببناء “دولة مراقبة رقمية”، اكتشفت لاحقًا أن شركاتها العملاقة جوجل و ميتا تقوم بجمع البيانات بالطريقة ذاتها تقريبًا، لكن تحت شعار “الخدمة المجانية” و”تجربة المستخدم”.
الصين تراقب باسم الدولة.
وأمريكا تراقب باسم السوق.
وفي الحالتين، المواطن يتحول إلى “بيانات”.
اللحظات الطريفة بين الرئيسين خلال اللقاءات الرسمية لم تكن مجرد مادة للسوشال ميديا، بل كانت تعبيرًا عن قلق أمريكي حقيقي من صعود خصم لا يشبه الاتحاد السوفييتي القديم.
الصين لا تريد تدمير النظام العالمي بالكامل، بل تريد إعادة هندسته لصالحها.
إنها لا ترفع الشعارات الثورية القديمة، بل تستخدم:
التجارة
الاستثمار
التكنولوجيا
الموانئ
القروض
الذكاء الاصطناعي
لإعادة توزيع النفوذ العالمي بهدوء شديد.
ولهذا تبدو الصين أخطر على أمريكا من أي خصم سابق.
فهي ليست دولة معزولة أو فقيرة أو عسكرية فقط، بل مصنع العالم، وصاحبة مشروع طويل النفس.
أما واشنطن، فتعيش تناقضًا مرعبًا: هي ما زالت القوة الأولى عالميًا عسكريًا وإعلاميًا وماليًا، لكنها تشعر لأول مرة منذ عقود أن هناك من ينافسها فعلاً على قيادة القرن.
وهنا يظهر السؤال الفلسطيني والعربي الأكثر إيلامًا: أين نحن من كل هذا؟
العالم يدخل عصر الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية، بينما ما زالت المنطقة العربية في كثير من الأحيان تستهلك التكنولوجيا بدل إنتاجها، وتستورد المنصات بدل بنائها، وتعيش داخل خوارزميات يصنعها الآخرون.
وخلال الحروب الأخيرة على غزة، اكتشف الفلسطينيون أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل داخل المنصات أيضًا.
فالرواية التي لا تدعمها الخوارزمية تختنق، والصورة التي لا تنتشر كأنها لم توجد.
لقد أصبحت شركات التكنولوجيا جزءًا من الحرب الحديثة، وأصبحت البيانات جزءًا من الأمن القومي، وأصبح التحكم بالمحتوى جزءًا من تشكيل الوعي العالمي.
في الماضي كانت الإمبراطوريات تحتل الموانئ.
أما اليوم، فهي تحتل الانتباه البشري نفسه.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن الإنسان الحديث يعتقد أنه أكثر حرية من أي وقت مضى، بينما هو يعيش داخل أكبر منظومة مراقبة عرفها التاريخ، يحملها بيده، وينام بجانبها، ويشاركها أسراره طوعًا.
الابتسامات المتبادلة بين الرئيس الأمريكي والرئيس الصيني تخفي خلفها خوفًا متبادلًا من المستقبل.
أمريكا تخشى أن تفقد مركز العالم.
والصين تخشى أن تُحاصر قبل أن تصل إليه.
أما الشعوب الصغيرة، ومنها الفلسطينيون، فخطرها الحقيقي ليس فقط في الانحياز لهذا المعسكر أو ذاك، بل في البقاء خارج معادلة الإنتاج والمعرفة والتكنولوجيا.
لأن العالم الجديد لا يحترم الضعفاء، ولا يسمع إلا لمن يملك أدوات التأثير.
لقد اخترعت أمريكا الإنترنت…
لكن الصين فهمت أن من يسيطر على الخوارزمية، قد يسيطر يومًا على العالم نفسه.




